الخميس، 26 أغسطس 2021

اقتربت من إكمال الشهر السادس في العمل عن قُرب، إلى أين أسير ؟


 هذه تكلمة لتدوينة سابقة عن انطباعي وما تعلمته بعد العمل عن بعد لـ 12 عام ثم الانتقال للعمل الحضوري. لقراءتها اضغط الرابط


نظرت للتاريخ وانتبهت أنني اقتربت من إكمال شهري السادس في الوظيفة ! وكأنني كنت في المقابلة الوظيفية بالأمس!

عرفت أنه لابد لي من التوقف قليلاً والمراجعة الآن. فهل هذا طريق أريد إكماله ؟ 

لازالت بعض الصعوبات في التكيف موجودة لكن الكثير تحسّن. من الأمور التي تحسنت هي قلقي الاجتماعي، فلي ست زميلات في القسم النسائي ورغم أننا نعمل في إدارات مختلفة إلا أن التعاون بيننا عظيم. وبيئة المكتب مريحة جداً ومحترمة. سأكمل ست أشهر دون أن أسمع نميمة واحدة ولله الحمد. وحتى الحديث بطريقة سلبية عن العمل غير محبذ ويوضع له حد دائماً. وطريقة احتوائهن الدائم لمشاعر بعضهن عندما يزيد ضغط العمل ممتازة وحنونة. فريق حقيقي لم أعمل مع مثله إلا نادراً. تعرفي عليهن تدريجياً وعددنا القليل واحترامهن لمساحتي الشخصية مكسب عظيم يجعل قيمة هذه الوظيفة أعلى في نفسي. 

عرفت ماذا أرتدي، أعرف أن الموضوع يبدو سخيفاً لكن، من يعرفني يعرف أنني أكره التسوق، وأكره شراء الملابس خاصة. وعدد القطع في دولابي قليلة مقارنة بمن حولي. وعندما أشتري ملابس فهي غالبا تكون استثمار كيلا أعود سريعاً لعملية التسوق الغثيثة. 

تأجيلي لمسألة التسوق كان يجعلني في حيرة يومياً فأغلب الملابس في دولابي كانت للزيارات أو المعيشة اليومية. ما يناسب العمل كان قليلاً. سطوت على دواليب رهف وعبدالعزيز، وأخذت منها ما ناسبني. لكن حتى هم لا يملكون ما يكفي. تجاهلت الموضوع وذهبت للعمل فترة طويلة بالجينز وقمصان سنوبي، و ريك أند مورتي، وأميرات ديزني. لكن مقر العمل دخل الآن في موسم جديد وسيصبح الزوار كثيرون ما يستدعي أن أبدأ ارتداء ما هو أكثر احترافية. شاركت قلقي هذا مع صديقاتي المقربات. وفي اجتماعنا التالي فوجئت بكمية الملابس التي جهزنها لي ! 

أجمل ما في الموضوع، بجانب موضوع عدم اضطراري للتسوق بنفسي، هو أن اختياراتهن متنوعة وجميلة لكنها كانت اختيارات أتجنبها غالباً كوني لا أعرف كيف يتم تنسيقها بشكل جيد. تم حل الواجب بدلاً عني ولم اضطر هذه المرة لتأجير متسوقة ومنسقة ملابس كما كنت أفعل سابقاً. شكرا بنات 💗

مما تحسن أيضاً، متلازمة المنتحل، بدأت أرى نتيجة عملي والرفق بنفسي. وأذكر نفسي دائماً أنني هنا للمدى الطويل وهذا ليس مشروعاً سريعاً، فخفّ القلق.  قلّت الاجتماعات كذلك بعد أن بدأ العمل الفعلي وانتهى التخطيط. 

وصديقتي سوسن، رغم تحدياتها في وظيفتها الجديدة، استطاعت دعمي نفسياً لتخطي الكثير من المشاعر السلبية المتعلقة بموضوع العمل عن قرب.

لازال مظهر نوبات الاكتئاب مختلف. لكن أصبحت الآن أكثر راحة مع الزميلات فلم أعد ابتسم غصباً عن مشاعري في مكان العمل عند مروري بنوبة اكتئاب. 

لكنني لم أتكيّف بعد..

لازلت أصحو وأتذكر أن علي الذهاب جسدياً للعمل في مكان مختلف فتتصاعد العبرات في حلقي كل صباح تقريباً. خاصة أن أغلب عملي يمكن عمله من مكتبي في المنزل. أو حتى على سريري ! لست أجد سبباً يبرر ذهابي اليومي للمكتب ولازلت في كل يوم كطفل يذهب إلى المدرسة أول مرة، أبكي أحياناً. 

أصبحت هذه الأغنية هي أغنية الطريق إلى المكتب .. 



لم اعتد كذلك أن أضطر للاستئذان من مديري للذهاب إلى موعد مستشفى، خاصة لأن مواعيدي كثيرة ولم أستوعب هذا إلا بعد أن بدأت بالاستئذان من أجلها.  اعتدت طول السنوات الماضية أن أحمل الكمبيوتر المحمول أو الجوال وأذهب مستمرة في العمل في غرف الانتظار. وعندما أعود أكمل العمل حيث توقفت. 

سأدخل الآن تحدٍ جديد في العمل، العودة للمدرسة. رهف وعبدالعزيز كانا يتوليان مسؤولية العناية بالصغار. وعندما تبدأ الدراسة سيعودون هم للحضور في مقرات الدراسة، أما الصغار فلازالوا في المنزل. جاء الخبر متأخراً كعادة وزارة التعليم. وبدأنا الآن رحلة البحث عن مكان لاستضافة لين وخالد وقت العمل. 

الخيارات موجودة إما غالية جداً جداً ما يجعل راتبي بلا معنى، أو غير مناسبة.

لين وخالد بعمر 8 و 10 سنوات، الأماكن التي تقبل استقبال الاثنين قليلة جداً. لازلت أبحث عن الحل لكنني أظن أنني اقتربت سأشارككم الحلول التي وجدتها إن نفعت. 



الاثنين، 21 يونيو 2021

بعد 12 عام من العمل عن بعد ، وشهرين في مقر العمل مالذي تعلمته عني حتى الآن؟

 



بدأت مسيرتي الوظيفية عن بُعد. في وقت لم يعرف الناس معنى العمل عن بُعد بشكل واضح. وكانت جميع وظائفي عمل حر. تعتمد على المشروع. فمشروع يأخذ سنة وآخر يأخذ ثلاث أشهر. كما تعودت أن يكون من وظفني ومديري المباشر هو "صاحب الحلال" أو المدير التنفيذي. فلا يوجد أي شخص بيني وبين صاحب القرار النهائي. 

12 عام، كنت أعمل بهذه الطريقة. ومنذ شهرين فقط، أصبحت أعمل في مكتب، يوميا، وُضِع اسمي للمرة الأولى في هيكلة المنظمة. وللمرة الأولى يكون المتوقع أنني سأعمل لسنوات مع هذه المؤسسة. ويوضع لي مدير مباشر وسيط بيني وبين المدير الكبير. 

جئت بحمولة وطريقة تفكير العامل المستقل، التي تتلخص في : " أنا هنا لفترة مؤقتة، يجب أن أُنجِز كل ما وعدت به في هذه الفترة البسيطة، مصلحة العمل أهم من مشاعر الزملاء، لا بيروقراطية مملة والقرار مباشر ولحظي من صاحب الحلال الذي يقول لي "إن تأخر المدير المالي في إعطائك الميزانية سأرسل لك المال من حسابي الخاص" 

طريقة التفكير هذه التي تشربتها تماماً والتي ساعدتني لبناء سمعة جيدة ومعيشة جيدة. ومشاريع أفخر بها، وأخرى أخجل منها لكن تعلمت منها الكثير.. أوصلتني هنا، لكن ..... 

سببت لي المشاكل عندما أصبحت موظفة أعمل عن قُرب، بطريقة تقليدية، ومع عدة مدراء.

لم أعتد البيروقراطية. لم أعتد أن أقول : "المشروع سيتم خلال ثلاث أشهر غالبا" معتمدة على خبراتي السابقة، ثم أكتشف أنني سأدخل الشهر الثالث ونحن لم نتفق حتى على أساسيات وفريق وميزانية المشروع.

واكتشفت في العلاقات الوظيفية طويلة المدى مثل هذه، أن مشاعر زملائي وزميلاتي أهم من مصلحة العمل أحياناً. 

لا ينبغي أن أُظهِر أخطاءهم بصراحة من أجل تصحيحها. أصبح لابد أن اُلمّح. قبل أن أصرّح. 

وتورطت _ إن صح التعبير_ بشخصيتي في العمل، أنا انطوائية وهادئة غالبا وأستمتع بالعمل المستقل أكثر من العمل الجماعي، وفي خبراتي السابقة، لم يكن هذا عائقاً إذ يمكنني التظاهر بأنني اجتماعية ليوم أو يومين في الأسبوع. والحديث بكثرة في اجتماعات متباعدة. وتقديم العروض والحديث عن الخطط بحماس. لدي شخصية صممتها للعمل، أرتديها حين أحتاجها ولأنها لا تشبهني كثيراً فهي ثقيلة ومرهقة وكوني أعمل عن بعد، لم أكن أضطر لاستخدامها لفترات طويلة. 

دخلت هذه الوظيفة بشخصية العمل هذه. لم أتوقع كل هذا الإرهاق الذي يحصل بسببها. والمشكلة الأصعب هي: كيف أعود لشخصيتي الحقيقية أمامهم دون أن أفقد ميزات شخصية العمل ؟ فبيئات العمل لا تفضل الانطوائي الهادئ !

في وظيفتي هذه إيقاع العمل أبطأ بكثير من العمل كمستقل. مما يعني أن أوقات الفراغ أكثر، وهذا مدخل ممتاز لمتلازمة المنتحل الشهيرة إلى مشاعري. تباعد الإنجازات يجعلني أشك في قدرتي على العمل وعلى جودتي به.

افتقدت حقيقة حضور الاجتماعات بالبيجاما.

وافتقد أيضاً القدرة على تخطيط الرحلات في أي وقت لأن عملي كان يرافقني ولست مرتبطة بمكان معين.

لكن تعلمت في هذا النمط من الوظائف شيئاً لم أجربه من قبل؛ وقت الفراغ. 

اكتشفت أنه ليس خرافة. وأنه يمكن للعمل أن ينتهي بعد عدد من الساعات. فأتوقف وأنسى الأمر حتى اليوم التالي. وعرفت أنه من الطبيعي ألّا تصلني رسائل في منتصف الليل تطلب مني تقارير للغد.

زميلاتي في العمل أجمل من كل كلام طيب يوصفن به. لكنني افتقدت خصوصيتي بالعمل إلى جانبهن. فالانهيار لثلاث دقائق صعب في وجود آخرين. والطرق التي تعلمتها للتعامل مع القلق ليست مناسبة لأجواء العمل. فلا السير في دوائر مقبول اجتماعيا، ولا الحديث بصوتٍ عالٍ ولا الشتائم التي تخفف عن النفس بعض الغضب ولا الاستلقاء حين تهجم نوبة هلع. 

هذا أكبر ما افتقدته، وأصعب ما يجب تعويضه. علي تعلم طرق تكيّف جديدة مع القلق والاكتئاب.

تغيّر مظهر نوبات الإكتئاب. أصبحت أخرج من السرير كل صباح في نفس الوقت مهما كانت مشاعري. وحتى إن كنت أفكر بالإنتحار في الطريق إلى العمل. أصبحت تظهر نوبات الإكتئاب بالبكاء المفاجئ في مواقف السيارات وفي غرفتي بالمنزل وأصبح السبب الرئيسي لها هو أنني (لم أنجز شيئاً اليوم).

علي أن أتعلم أن الإنجاز ليس حدث يومي. أنا أعرف المعلومة وأعرف أن الإنجاز أمر تراكمي وعلى مدى طويل، لكن يجب أن أقنع قلبي بهذه الحقيقة. 


والاجتماعات .. يا إلهي .. الاجتماعات .. الصبر يا ربي .. لا تذكرني إلا بأيام الجامعة ومحاضرات الدكتور الذي يأتي يوماً واحداً في الأسبوع من مدينة أخرى ويعطينا محاضرات في مادة واحدة لست ساعات. 

تنفسي وفاء.. هذا الوقت سيمضي وبيصير سواليف 



اكتشفت أسباباً لم أتوقعها تجعلني لا أريد الحضور في مقر العمل .. 
 


الأربعاء، 24 مارس 2021

بودكاست شسمه : فاصل ونواصل : أنا لست شجاعة













يمكنكم الاستماع للحلقة عبر هذا الرابط أيضا والاشتراك بالقناة على أي من برامجكم المفضلة للبودكاست


"وكأنني تنفست الأسى" - إدجار آلان بو

الإكتئاب مزيل لغشاء رقيق جدا يغلف الحياة .. اسمه الأمل مما يجعلها لا تطاق

لما المكتئب وغير المكتب ينظرون لنفس الشيء .. يشوفون شيئين مختلفين. المكتئب يشوفه بدون الأمل، وبدون الفلتر الرقيق هذا .. يصل الألم كامل.

طيب ليه يظن الناس إن الإكتئاب هو نظارة عدساتها رمادية نلبسها ونفصخها متى ما حبينا.


" شجاعة .. ملهمة .. قوية .. إرادة عظيمة"


كلها صفات من ضمن الكثير من التشجيع الذي وصلني منذ بدأت الحديث عن تجربتي في التعايش مع الإكتئاب. وبين هذه السطور يمكن أن نقرأ اعتبارهم لي (استثناء)


طيب ما هي القاعدة المتوقعة التي كسرتها ؟ أن المريض النفسي والعقلي لا يمكن أن يعيش بيننا. وغالبا خطر أو عاجز.

كيف وصلت هذه الصورة الذهنية للناس ؟


تكوّنت هذه الصورة الذهنية من ترسبات الإعلام والصحافة والفن. اللي كانت تركز على الحالات المتطرفة لأن الحياة العادية مملة لو وجهنا عليها الكاميرا.


واللي يحاولون ينشرون الوعي بالأمراض العقلية عايشين في فقاعتهم .. شوفوا اليوم مثلا .. هذا اجتماع لأشخاص عارفين على الأقل أساسيات معاني كلمات مثل إكتئاب وفصام وهلاوس

لم نخرج من دائرة الراحة الخاصة بنا لتوعية من لم يخطر في باله أنه قد يعيش مع شخص أو يكون هو الشخص المحتاج للعلاج النفسي.

وحتى المحاولات السابقة .. نجحت في ترسيخ بعض الكلمات في مفردات المجتمع .. لكن بطريقة سطحية فوصل الفهم قاصر للأسف


لدرجة أن الناس بدؤا استبدال مفرداتهم الصحيح بمفردات أسماء الأمراض كدليل على المبالغة.

فبدل ما تصف البنت صديقتها المرتبة بأنها منظمة جدا .. صارت تقول .. هي مرة OCD

وبدل أن يقول الفتى أنا زهقان ومليت هاليومين من الروتين صار يقول .. أنا مكتئب



لما بدأت الكتابة عن تجربتي .. كنت أبحث عن أصدقائي المكتئبين .. كنت أحتاج أتبادل معهم وصفات إكمال الحياة .. مثل ما أي شخص يبحث عن طريقة إزالة بقعة مستحيلة ..


وما كان عندي شي أخسره .. ما عندي اسم ولا بريستيج ينجرح لو عرف الناس إن عندي مرض نفسي

ولا عندي وظيفة تتأثر لو تكلمت عنه ..

والأشخاص اللي يهمني رأيهم عبارة عن قائمة صغيرة جدا من الأسماء وجميعهم كنت أعرف إن ردة فعلهم ستكون مقبولة ..


ما صارعت أي شي من أجل الحديث عن مرضي .. ولا كان هدفي نشر الوعي .. مع إن هذا الهدف تغير الآن..

ومو مطلوب من كل مريض أن يتحدث عن تجربته لأنها شي خاص فيه ومشاركتها أو عدم ذلك من حقه ولا تنقص من تقديرنا له.



أنا لست ملهمة .. ولست شجاعة ..


الشجاع الحقيقي .. هو الشخص اللي يدرك إن عنده أشياء كثيرة ممكن يخسرها لو سعى للعلاج من مرضه .. ومع ذلك راح يتعالج.


ولهذا الشخص أنا أقول .. أستمد منك القوة والشجاعة .. ومن أجلك سأستمر بحديث الإكتئاب .. ويوما ما .. ستزول الوصمة


لكل من وصل هنا .. ممتنة لوجودك في الحياة 

الجمعة، 12 فبراير 2021

بودكاست شسمه : الحلقة 2 : بترونة النجاح الوحيدة






رابط الحلقة 

 السلام عليكم . أنا وفاء خالد، وهذا شسمه بودكاست .. عن أي شي وكل شي. كل مرة أمسك موضوع شاغل بالي وأسولف معكم.

اليوم موضوعنا معقد قليلا ولن أستطيع تغطية كل الجوانب فيه هنا. لكن مثل العادة ستجدون كل المراجع والنص الكامل في المدونة 

www.wafakm.com


الموجودة في وصف الحلقة مع طرق التواصل 


مقابلة :

"- المجتمع ماهو قياس لأنهم ياخذون من نظرة محددة ..

- وش هي النظرة المحددة هذي

- النجاح بالعمل أكثر شي ، يعتبرونها هي الناجحة، بالمجتمع إذا ما عندهم خلفية عن حياتهم الأسرية، والاجتماعية ، يبنون على العمل.

- يعني تتوقعين لو كان في ربة منزل قاعدة في مجلس مع سيدات "ناجحات" ، هل بيعطونها وجه مثل الباقين ؟

- لا للأسف ، مع إنها أكثر نجاحا منهم ، من كل الموجودين لا بالعمل ولا بالحياة الاجتماعية ولا الحياة الأسرية "


صورة النجاح المحفورة في عقولنا الواعية واللاواعية أصبحت ضيقة جدا علينا. أظن أن الوقت جاء لنفهم كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف نخرج من هذا المأزق؟. هذه الصورة الضيقة كانت نتيجة لسياق تاريخي طويل .. فلنختصره قليلا مع بعض.. 


نولد ويُحدد جنسنا مباشرة ثم نُلف بمهاد وردي أو أزرق تُرسم لنا خطة حياتية كاملة بناء على ذلك. نكبر فنُدفع داخل قالب معين تحدده جيناتنا والعادات والتقاليد ورغباتنا الشخصية والصورة المتجددة للنجاح في العالم. 


مقابلة : 

"- من هي المرأة الناجحة ؟ 

- المرأة الناجحة هي التي خلصت دراسة وتوظفت وتزوجت وكونت أسرة مع وظيفة 

- يعني أنا فاشلة الحين ؟ 

- لا، هذا أنتِ عندك أسرة وعندك وظيفة وعندك دخل مادي 

- بس ما كملت دراسة ؟ 

- مو مشكلة، أهم شي تكونين مكتفية ذاتيا 

- معناها تعريفك للمرأة الناجحة  ناقص 

- لا يعني ، خلي الدراسة مو لازم جامعة ، يعني على الأقل ثانوي 

- طيب لو افترضنا مثلا .. 

- لازم يكون عندها دخل مادي أو وظيفة تسترها ، زوجها ينفصل عنها أو يمكن زوجها يموت ، يمكن زوجها يختلف معها ، فتقدر تمشي أمورها ، تقدر تعيش حياتها 

- بمعاييرك هذه معناها أن أمي وأمك فاشلين 

- في هذا الزمان نعم ، لو هم في زمننا هذا ، نعم "


في كل زمن نلقى صور معينة للشخص الناجح. إما أن نشبهها أو أننا فاشلون. ويحدد أقراننا مدى فشلنا واستحقاقنا بناء على مدى تشابهنا مع هذه الصورة. 

حتى زمن قريب، كانت المرأة الناجحة هي التي تتزوج مبكراً وتنجب أطفالاً أصحاء من بينهم ذكر واحد على الأقل. وتحافظ على جمالها ونظافة منزلها وجودة طبخها وتدبيرها لأمور الصرف والمنزل طوال عمرها. وعلاقتها مع أهل زوجها.  وبناء على قربها من هذه الصورة تُعطى لها صلاحيات أكثر في العائلة ويصبح لصوتها ثقل أهم في القرارات. 

وكان الرجل الناجح هو الذي يتزوج في عمر مبكر وينجب الأطفال ومن بينهم ذكر واحد على الأقل. ويستطيع توفير الحاجات المادية الأساسية لهذه العائلة ووالديه وأخواته العوانس. وكل قريب أو قريبة يقعون في نطاق يمكنه المساهمة فيه ماديا. 


وأي شخص سواء ذكر أو أنثى يخرج برغباته الشخصية من هذه الصورة يُعتبر معطوباً وفاشلاً ولولا الحرام لقتلوه رحمة به.


          تغير الزمن، ودخلت نماذج جديدة بدأت تكسر هذه الصورة. ودخل التعليم فيها. ثم دخل تعليم الفتيات، ثم تطور الأمر وأصبحت الأنثى تستطيع توفير الماديات لنفسها وعائلتها إن أحبت عن طريق العمل بنفسها في خيارات محدودة. ثم كثرت الخيارات هذه مع توسع نطاق الدراسة ورغبة الأهل في تقريب أولادهم وبناتهم لصورة الناجحون المتجددة. 


ومثل كل زمن كان المسمار الذي يخرج عن الصف يضرب على رأسه ليعود له صاغراً. وكان حِرص الأشخاص على قربهم من صورة النجاح وحِرص الأهل على تقريب أبنائهم لها. كافياً لصنع صوراً محددة جديدة للنجاح. 


وخلق لنا هذا صورا جديدة للتطرف ضد الخيارات المختلفة عنها. واعتبارها فشلا. 


في هذا الزمن، صورة النجاح للمرأة أصبحت محددة جدا وواضحة جدا، تُكتب بها المقالات والدراسات. 

فهي يجب أن تكون متفوقة في دراستها، جميلة، تعمل في وظيفة برجوازية، متزوجة، لديها أطفال لكن إنجابهم لم يؤثر على هيئتها الخارجية، مبتسمة دائما، سعيدة، رقيقة جدا وفي نفس الوقت قوية، منزلها شديد الترتيب والنظافة. وراتبها يستطيع تحمل كل أساسيات الحياة لعائلتها وكل الكماليات التي تُثبت أنها من طبقة معينة تنتمي لها، أو تريد الإنتماء لها، ومتواضعة. مكياجها دائم لكن غير ظاهر. وزوجها يُعامل في منزله كشهريار. 

يريدونها 

مكر مفر مقبل مدبر معا .. كجلمود صخرٍ حطه السيل من علِ 


مقابلة : 

"- المفترض ، المتعارف عليه في المرأة إنها ما تحط نفسها أولا ، لازم تحط كل الناس بالإضافة إلى المجتمع، قبل نفسها ، وبعد كل هذا تضع قرار لنفسها وما تريد ، إذا استاطاعت التوفيق بينه وبين بقية الأشياء "


رغم كل المتطلبات سابقة الذكر عندما تُقدم سيدة على اتخاذ خطوة في العمل خارج المنزل، أول سؤال يوجه لها هو :" كيف يمكنك المحافظة على منزلك وعائلتك ومصالحهم وتوازن حياتك؟" بينما لا يوجه هذا السؤال للرجل عادة .. 

وعند عمل مقابلة صحفية أو تلفزيونية مع سيدة ناجحة في مجالها، لابد أن يكون أحد الأسئلة : " كيف توازنين حياتك العائلية والعملية ؟ " بينما لا نرى هذا السؤال في المقابلات التي تكون لرجال ناجحون في مجالهم. 

في دراسة سنة 2006 لاحظوا أن نصف النساء في العينة يعرّفن النجاح بأنه التوازن. والنصف الباقي توزع تعريفهن بين الرضا وجودة العلاقات في حياتهن.

أما الرجال، فكانت نتيجتهم أن 45% منهم كان تعريفهم للنجاح يدور حول الأمور المادية. و 30% تكلموا عن جودة العلاقات. وفقط 5% منهم أتوا على ذكر التوازن. 

(لن أدخل في تفاصيل الفرق في الرواتب بين الجنسين عند تقديم نفس العمل، ولا عن السقف الزجاجي الذي ترتطم به طموحات السيدات العاملات اليوم.فهذا موضوع معقد جدا.)


طيب، وماذا عن السيدة التي قررت أن تكون على طبيعتها ؟ أو قررت أنها تحب كونها ربة منزل ؟ وماذا عن التي لم تحظَ بالجينات المحظوظة التي تقربها من صورة المرأة الناجحة ؟ 

هل توضع مباشرة في خانة الفشل ؟


مقابلة :

" - طيب ، أنتِ كنتِ ربة منزل لفترة سنوات ، هل أحسست يوما أن المجتمع ينظر لك كفاشلة لأنك ربة منزل ؟

- لا ، لأني كنت ربة منزل ناجحة "



نستطيع أن نرى كيف تعمل هذه الضغوط والتوقعات الحديثة بوضوح في المجالس الكبيرة. فتلك المعلمة تستطيع أن تحتكر الحديث في المجلس وهذه المديرة تفرض رأيها وتناقشها، ورائدة الأعمال مثيرة للاهتمام ويستمع لها الجميع. بينما تجد ربة المنزل أو المتفرغة للأمومة أن رأيها مهمش، ومن السهل مقاطعتها حين تحاول الحديث، إن سُمِح لها ذلك. ولا يتم توجيه الحديث لها إلا إن أصبح الموضوع عن الطبخ أو إزالة البقع


مقابلة :

" - وربة المنزل للأسف مظلومة في مجتمعنا ، دائما يعتبرونها فاشلة لأنها ما حققت في العمل أو في الحياة الإجتماعية أو المادية وغيرها

- حتى لو كان هذا اختيارها ؟

- حتى لو كان اختيارها

- حتى لو هي كانت تقول : أنا أحب كوني ربة منزل وأريد الجلوس مع أطفالي ، لا يرضى عنها المجتمع ؟

- لا، يعتبرونها حجة لفشلها "


والأسوأ عندما تكون هذه الصورة عن ربات البيوت موجودة عند من يعتبرون نُخبة المجتمع، والذي يُفترض أنهم منفتحي العقل على الآخرين وأفكارهم وحيواتهم. ومن أبسط الأمثلة أن تكون صفة "ربات البيوت" مع صفة "أنصاف المتعلمين" كنموذج للأشخاص الذين يسهل إقناعهم بالمؤامرات والخرافات. وكأن مجرد اختيار السيدة أن تكون ربة منزل يجعلها تلقائيا أقل منزلة عقلية وثقافية من الآخرين. 


وجدت هذا الوصف في مقال للدكتور ياسر عبدالعزيز. في صحيفة الشرق الأوسط عدد [15413] بتاريخ 08 فبراير 2021، اسمعوا معي: 

"لم تنجح «كيو أنون» عبر استخداماتها الحاذقة لوسائط «السوشيال ميديا» مع ربّات البيوت وأنصاف المتعلمين، الذين لا يطالعون الصحف ولا يتابعون نشرات الأخبار، فقط، بل نجحت أيضاً مع نخب سياسية وثقافية "  أ.هـ 



من الجهة الأخرى،  السيدات العاملات يحتجن أن يعملن أكثر من زملائهن الرجال وبنتائج أفضل منهم حتى يُنظر لها كجديرة بالعمل معهم. حتى وإن كانوا لا ينوون ترقيتها أو حتى زيادة راتبها ليتساوى مع زميلها الذي يقوم بنفس واجباتها بالضبط.

وفي الأعمال التجارية، عندما تكون سيدة هي المالكة، تحتاج في كل عملية تجارية إثبات جدارتها لكل من الموردين والموظفين والمنافسين، ويكون لهذا أهمية أكبر إذا كان مجال عملها يحتكره الرجال في الغالب. 


مقابلة :

" - honestly , someone who goes to bed and can not wait for the next morning and excited "

الترجمة : " بصراحة ،هي من تذهب للنوم وهي تنتظر اليوم التالي بشغف "


على طاري الأعمال الريادية، الأهداف وتحديد مقومات النجاح في الأعمال الريادية التي تملكها سيدات أو رجال غالبا واحدة. وتتشابه كذلك الأسباب التي تدفع كل منهم للبدء بهذه الخطوة. مثل الاستقلالية، وزيادة الدخل، وعدم وجود مدير لهم. لكن، الاختلاف كان واضحا عندما ذكر أغلب الرجال أسباب اقتصادية لرغبتهم بالعمل الريادي. بينما ذكرت النساء أسباب لها علاقة بالعائلة. 

" العمل الريادي بالنسبة للرجال استراتيجية تجارية، بينما للنساء فهي استراتيجية حياتية" كما ذكرت نورا نوبل في تقريرها عن رياديات الأعمال سنة 1986 في مجلة venture 


مقابلة :

" - وأنتِ ما رأيك ؟ من هي المرأة الناجحة ؟

- لا أعرف ، أحس أنه anyone who is content with thier life ، بمختصر الموضوع everything she said بس content with thier life ، سواء كانت بحالتهم المادية ، أو شغلهم ، أو عائلتهم or thier huose ، thier cars .. what ever it is "

الترجمة :

- " لا أعرف ، أحس أنها أي انسانة راضية بحياتها، بمختصر الموضوع ، كل ما قالته هي لكن بالرضا بحياتهم ، سواء كانت حالتهم المادية أو شغلهم أو عائلتهم ، أو منزلهم أو سياراتهم ، أيا كان ..

- قناعة وإلا رضا ؟

- قناعة

- ألا تشعرين أن القناعة قد تحد من الطموح ؟

- لا "


هذا الضغط الشديد على المرأة في المجتمع لا يعني أن الرجال مسترخون تماما، بل العكس، فكل ضد من هذه الضغوط تجده ضاغطا على الرجال. فالرجل إن كان قنوعاً ولا يسعى للتطور الوظيفي أو العلاوات أو المناصب يعتبر متكاسلاً. وإن كان لا يريد بدء عمل خاص له وسعيد بوظيفته وسلمه الوظيفي المتوقع، يعتبر عبداً للوظيفة. وذلك الرجل الذي قرر أن العمل اليدوي مرضٍ له ويُسعده وأراد أن يكون هو مصدر دخله. يُعتبر غبيا، أو حتى عار في بعض التقاليد.

وكذلك بدأت الصورة الخارجية للرجل تخضع للمعايير الجديدة فبعد أن كان العيب الوحيد للرجل هو جيبه، أصبح الآن كرشه وصلعته وانعدام عضلاته وأنفه وحدود فكه من الأشياء التي يتم تقييمها واعتبارها جزء من قيمته كإنسان يستحق النجاح. 


صورة النجاح الضيقة علينا، كتمت أنفاسنا. وأصبحت مصدر قلق كبير للعديد من صغار السن. حتى أن بعضهم أصبح يخاف من الفشل في أحد المتطلبات لاكتمال هذه الصورة فيرفض المحاولة أصلا.


مقابلة :

" بالنسبة لي ، المرأة الناجحة هي المرتاحة مع نفسها ، التي تختار الاختيار وهي واثقة منه وعارفة لتبعاته ولا عندها مشكلة مع ما قد يقوله الناس عن قرارها .. قررت تشتغل فهي مبسوطة ومرتاحة مع نفسها ولا يهمها ما يقوله الناس ، قررت تجلس في البيت هي مبسوطة مع نفسها ومرتاحة ولا  تنتظر من أحد أن يؤمن أو ينتقد قرارها ، وأهم شيء ، واعية للتبعات " 


حلقة اليوم مبسطة جدا وتنظر للموضوع بطريقة سطحية حتى. لكنني أتمنى أن تكون بداية ممتازة لإثارة فضولكم لمراجعة أفكاركم الشخصية عن صورة النجاح التي تضغط علينا واختيار البترونة اللي تناسبكم.


لأنه لا يوجد مقاس واحد يناسب الجميع. فالنجاح ليس جورب العائلة.  




المراجع : 


How we define success: A qualitative study of what matters most to women and men

ربات البيوت (مقال "مصنع الأوهام"  لـ د. ياسر عبد العزيز) 

Entrepreneurs' Perceptions of Success: Examining Differences Across Gender and Family Status

Female Entrepreneurs: How Far Have They Come?




لمن وصل هنا :
شكرا لك ممتنة لوجودك في الحياة 


الخميس، 21 يناير 2021

بودكاست شسمه ، الحلقة 1: القهوة المختصة







نص الحلقة : 


أهلا وسهلا .. أنا وفاء خالد .. عندي هوس غريب بالتنقيب عن كل وجهات النظر لما أنتبه لشي .. كنت أتفلسف على الناس اللي أعرفهم لكن وقفت تماشيا مع آداب الحديث. راودتني فكرة البودكاست من 2015 لأني ما أحب أصور نفسي وأنشر على سنابتشات أو يوتيوب .. لكن ما كنت متأكدة من اختياره لحد ما شفت بدء انتشار البودكاست في الوسط العربي .. 


لذا .. 


بدأت الآن .. 


أي ملاحظات منكم رح تساعدني بالتحسن. وأي اقتراحات رح أنظر لها بكل اهتمام. ونشركم للبودكاست إذا أعجبكم مطلوب ومقدّر .. 


بودكاستنا اليوم عن القهوة المختصة .. إذا كنت تسكن في السعودية بأي مدينة كبيرة بتلاحظ إنك كل مرة تطلع بتشوف مقهى جديد للقهوة المختصة .. ولما تدخل لأغلبها أول مرة يجيك ديجافو لأنك تلقى أنماط معينة متكررة في المفهوم والخدمة .. إذا كانت ما تقدم جديد بالنسبة لي كزبون، ليه أشوفها في كل مكان وتزيد كأنها بوبكورن ؟ 


قبل كل شي .. خل نتفق على بعض المفاهيم .. ما هي القهوة المختصة ؟ 

أسهل طريقة للوصف قهوة زُرِعت وحمّصت وحضّرت وقيّمت بطريقة مثالية تُظهر خصائص مميزة لكل محصول. 

تقدر تشوفها مثل شعلة الأولمبياد كل واحد من هؤلاء يعامل المنتج بأفضل وأحدث الطرق العلمية لحد ما توصل لكوبك.

ليست جميع محاصيل القهوة تأخذ مرتبة (المختصة) إذ أن الشرط كي يطلق عليها هذا اللقب هو أن تحصل على تقييم 80 من 100 من قبل speciality coffee association .. والذي تأسس سنة 1982


يستعير المقيمون اللي عددهم فوق 3500 عالميا من عالم الخمور مصطلحاتهم في التقييم. _هذا ليس مستغربا وسنعود لذلك فيما بعد؛ أهمية هذا التقييم هي التأكد من أن المُزارع يكافأ بقيمة عادلة لتعبه طوال العام في توفير البيئة المثالية للشجرة كي تصل القهوة بجودة عالية. 


على طاري المزارعين.. خل نتكلم عن الشجرة شوي.. أغلب المعروض في السوق من القهوة يعود لواحد من هذين النوعين: 

روبوستا : وهي النوع الأقوى والتي تحتمل الحرارة أكثر من أختها. وفيها كمية كافيين أعلى وبذلك لها طعم أقوى. 

والأرابيكا : دلوعة أكثر من الروبوستا. وتحتاج بيئة تعتبر أصعب عناية قليلا مما يرفع من سعرها، كمية الكافيين فيها أقل من الأخرى ولكن الطعم لا يختلف عليه اثنان.

أغلب القهوة التجارية كانت تعتمد على خلط هذين النوعين لإيجاد توازن بين الطعم والسعر وكمية الكافيين. وتستخدم تحميص غامق جدا لتوحيد النكهة بين كل المزارع المختلفة التي تشتري منها محاصيلها. 



شجرة القهوة تنبت في المرتفعات غالبا وتحب الأجواء التي تميل إلى البرودة. كانت الطريقة الصناعية لإنتاج كميات كبيرة منها هي زراعة الأرض العالية بشجرة القهوة فقط وتغذية الأرض بأسمدة ومعادن كيميائية .. ومحاربة الآفات بنفس الطريقة. 

الكمية التي تنتج بهذه الطريقة ليست سيئة لكنها ليست مميزة وكميتها كبيرة. رغم أن المزرعة قد تبدو مرتبة وجميلة بصفوفها الموحدة الخضراء، إلا أنها تعتبر صحراء بيئية. 

أي لا تنمو فيها الأشجار كما هي بطبيعتها ولا تشجع التلقيح الطبيعي بواسطة الحشرات والطيور والخفافيش .. وهذه مشكلة لأن الحشرات تجذب الطيور التي تقضي على آفة في النهار والخفافيش التي تقضي عليها في الليل .. كما أن الطيور لا تفضل أن تعيش في مثل هذه المزارع. بالإضافة إلى ذلك فإن الأرض تستهلك الكثير من المواد المطلوبة لإنتاج القهوة ولا يوجد مصدر آخر لإثراء التربة غير إضافتها يدويا وبمواد مصنّعة. لذلك لا يستطيع أن ينتج القهوة بهذه الطريقة إلا الشركات الكبيرة أو المزارعين الكبار بميزانيات ضخمة تحتمل الخسارة في حال أتت أي آفة إلى المحصول.

أما المزارع الصغير فلا يمكن أن يستمر بهذه الطريقة في الزراعة لأن آفة واحدة قد تقضي على المحصول كاملا مما يعني أن تعبه طوال العام لن يعود عليه بالمردود المطلوب كي يعيش بكرامة ويستمر في زراعة القهوة مرة أخرى. لهذا تجد أغلب المزارعين الصغار يستخدمون طريقة مختلفة. وهي تقليد بيئة الغابة وزراعة أشجار كبيرة بين أشجار القهوة لتظليلها وتقليل درجة الحرارة الواقعة عليها. هذه الأشجار الظليلة غالبا تكون مثمرة كي يستطيع المزارع بيع محصولها وزيادة دخله أو تعويض خسارته في حال فشل محصول القهوة. ومن مزايا هذه الطريقة أنها تجذب الكثير من الفصائل الحية المفيدة من الحشرات والطيور. فلا يعود المزارع محتاجا للتلقيح اليدوي ويركز المزيد من الجهود ليساعد الأرض على تعويض ما فقدته بطريقة طبيعية. هذه الطريقة تنتج كمية أقل من القهوة كمحصول. لكنها تظل مكلفة جدا بالنسبة للمزارع الصغير.


لما كنت صغيرة كانت أمي تحذرني من وضع علبة القهوة في دولاب البهارات قائلة : " القهوة دلوعة وتاخذ ريحة أي شي جنبها.. خليها لحالها" .. وتعلمت بالتجربة أن معاندة هذه القاعدة تعني قهوة بنكهة البرياني. 

القهوة تمتص الروائح والنكهات من حولها وهذه الصفة تعطي للزراعة التقليدية ميزة إنتاج قهوة بنكهات فواكة مختلفة بحسب أنواع الشجر الظليل المثمر الذي يزرع حولها. 

أصبحت هذه المزارع الصغيرة تُنتج قهوة برائحة التوت أو بنكهة حمضيات وماشابهها. و للحفاظ على هذه النكهات المميزة أصبح المختصون بالتحميص يستكشفون طرق جديدة لتحضيرها دون المساس بهذه النكهات الجانبية المميزة. ومن هنا بدأ تقييم القهوة يتشابه مع التقييم الخاص بالخمور ..

على الطاري.. 


تدرون إن القهوة حُرّمت ومُنعت في العالم الإسلامي لفترة؟ وخاصة في مكة المكرمة .. وكان النقاش في حلها وحرمتها يطول ويزيد بين العلماء والسلاطين .. فحينا تُمنع وأخرى تُحل. 

بينما حرّمت السلطات الدينية في أوروبا القهوة لأنها مشروب المسلمين.. بعد انتشارها وانتشار المقاهي فيها أصبحت مكانا بديلا عن الخمارات التي كانوا يرتادونها للنقاش .. فأصبحت النقاشات تدار بعقل غير مغيّب بتأثير الخمر. وأصبحت القهوة رمزا للأماكن الثقافية ونقاشات الفلسفة.. حتى وصل بالبعض أن يزعم أن لولا انتشار القهوة في أوروبا لما قامت الثورات فيها وتغيرت الحكومات.


ومن أسباب حرمتها عند المسلمين في بعض الأزمان أن بيوت القهوة كانت مكانا يجتمع به الرجال والنساء وبينهم دف ورباب وألعاب الملاهي التي يكون عليها الرهان مثل الشطرنج (التي حُرّمت أيضا في فترة ما) .. 

يذكركم الوصف بشيء ؟ أيييووووة .. المقاهي الحالية بالموسيقى العالية والشريحة المستهدفة من الشباب والشابات صغار السن. حتى أنني سمعت إشاعة أن بعض أصحاب المقاهي الجديدة يستأجرون فتاة جميلة مهمتها الوحيدة أن تتزين وتأتي للمقهى لتمثل دور الزبونة.. حيث أن هذه هي الشريحة المستهدفة ويريدون استقطاب من هم في عمرها واهتماماتها.. 

على فكرة هذا مو شي غريب في أساليب التسويق، وإذا كنت تعمل في مكان فيه صندوق للبقشيش أول ما يجب أن تفعله أن تضع بضع ريالات في الصندوق قبل وصول الزبائن. وجود هذه الأموال في الصندوق يؤكد للناس أن هناك من يفعل هذا وأنه مستحب ولطيف حيث يجعله يشعر بالضغط لأن يفعل مثلهم وإلا كانت نظرة الباريستا له كشخص بخيل. 


طيب ماذا بعد الزراعة والمعالجة والتحميص ؟ 


التحضير 


هنا بدأ الباريستا بالتفنن واستخدام العلوم من رياضيات وفيزياء وكيمياء وحتى الهندسة لابتكار أفضل الطرق لاستخلاص النكهة المطلوبة من كل محصول. فبعض النكهات تظهر بشكل أفضل بطرق تحضير مختلفة. 


على فكرة .. معنى الباريستا الحرفي هو من يعمل من خلف بار أي طاولة عالية لتقديم المشروبات. وهي كلمة إيطالية عامة لجميع العاملين في تقديم المشروبات مثل الخمور والقهوة .. 

لكنها أصبحت تعني القهوجي بعد سنة 1982


طيب إذا كانت القهوة المختصة تصنع بكميات قليلة وسعر غالي,وتُعامل كبضاعة فنية وليس مجرد سلعة عادية .. هذا يعني أن من يستهلكونها سيكونون قلة مقارنة بالمقاهي الأخرى.. صح ؟ 

إذا لماذا نجد المقاهي المختصة تزيد بشكل متسارع ؟ وشاربي القهوة المختصة يكثرون ؟ 


نحن نعيش الآن الموجة الثالثة من موضات القهوة. وهذا هو الاسم الأنيق لكلمة "هبّة" الدارجة .. 


لازلت أتذكر صديق والدي الذي كان يهدينا البن الأخضر بعد أن يعود من زيارة أهله في جنوب المملكة ونقوم بتحميصه في المنزل حتى تصبح القهوة شقراء بكميات قليلة ثم نحضّرها بطريقتنا التقليدية مبهّرة بالزعفران والهيل. 


كانت هذه هي الطريقة المعتادة للقهوة في أغلب أنحاء العالم. ثم أصبحت تحمص في المصانع وتحضر في المنازل وكل ثقافة لها طريقتها.


ثم اخترع رجل فرنسي اسمه ألفونس آلي Alphonse Allais فكرة القهوة الفورية التي تصنع مباشرة بإضافة الماء سنة 1881 ميلادية.. لم تلق قهوته رواجا كبيرا ولكن عادوا لهذه الفكرة في الحرب الأهلية الأمريكية. لأن فكرة مشروب ساخن سهل التحضير وسهل الحمل كانت ممتازة. رغم أن المسحوق الذي وزّع على الجنود كان مخلوطا بالحليب المجفف والسكر. إلا أنه كان سيئ النكهة فتوقف إنتاجه. 

ثم عادت الفكرة إلى الظهور مرة أخرى بعد تحسن طريقة إنتاج القهوة الفورية وسريعة التحضير .. وكانت الموجة الأولى من موضات القهوة التي تركز على إخراج تحميص القهوة من المنازل والتركيز على السهولة والسرعة والكميات الكبيرة وتوفرها في كل مكان. لم يكن التركيز منصبا على نوع الشجرة أو منشأها هنا. 

ومن الشركات الرائدة في هذه الموجة كانت Folger و Maxwell House. 

استمرت هذه الموجة من الفترة 1850 تقريبا حتى 1966 لما نشأت سلسلة مقاهي Peet's في أميركا. وبدأت ثقافة القهوة الجديدة في الموجة الثانية بالتركيز على بن الأرابيكا والمشروبات الخاصة بالمقاهي. والنكهات الجديدة المضافة للقهوة. والشركة التي نشرت هذه الموجة في العالم هي ستاربكس وكوستا. 

الموجة الثالثة التي نرى الآن بدء انتشارها في مجتمعنا بدأت في بدايات التسعينات في أميركا خاصة. أعادت مقاهي مثل Intelligentsia و Stumptown و Counter Culture التفكير بصناعة القهوة جميعها وفي كل مراحلها حتى تصل إلى الكوب. وركزت هذه الموجة الجديدة على حب جيل الألفية للقصص في التسويق. فاستغلت ثقافة التجارة العادلة ومصادر القهوة وطريقة الزراعة والكميات القليلة لتغرس تميزها في ذهن المستهلك وولائه. 



أصدقاء الشاي الأحبة .. ترى ما نسيتكم .. 

يضحكني دوما سماع أصحاب حزب الشاي وهم يتكلمون عن تعقيد أصحاب حزب القهوة وادعاءات الثقافة والبورجوازية .. في مقابل أن الشاي هو مشروب الناس البسيطة والمتواضعة والطبقة الكادحة .. 

للشاي أكثر من 100 نوع .. دون أن نحسب الأنواع المخلوطة بالفواكه والبهارات .. والتي تندرج تحت الأبيض والأخضر والأحمر والأسود .. والتي لكل لون منها عدد مرات تخمير وطريق تجفيف مختلفة .. دون أن نتكلم عن الماتشا حتى الآن.. 


كما أن تاريخ الشاي بدأ عند الطبقة البرجوازية مع امبراطور الصين .. واستمر مشروبا للطبقة المخملية فترة طويلة من التاريخ. فنقلته كاثرين زوجة الملك البريطاني تشارلز الثاني من بلدها البرتغال إلى بريطانيا. وانتشرت ثقافة شرب الشاي وتقاليده في الطبقة المخملية البريطانية والتي نقلته إلى العالم بعد الاستعمار وشنت حرب الأفيون على الصين كي تجبرها للرضوخ وبيع الشاي لها. 

كما أنها سرقت الشجرة من الصين ونقلت زراعته إلى مستعمراتها في سيلان وسوّقت للشاي السيلاني على أنه الأفضل والأجود والأصل. وكانت بعض الشعوب كطريقة سياسية قوية تقاطع الشاي للتخلص من مظاهر الإمبريالية البريطانية 


وتقاليد الشاي الإنجليزية و صالوناتها الخاصة تعتبر في قمة البساطة حين مقارنتها بالتقاليد الخاصة في بلاد الشاي الأصلية. فمن ينسى أن لتقاليد الشاي دورات تعليميه للمقبلات على الزواج وللاتي يرغبن بالعمل ك (قيشا) في اليابان. 

ومن ينسى النقاشات الحادة أحيانا التي تحصل بين أفراد العائلة الواحدة عن نوعية الشاي المستخدم وكميته ومدة نقعه ودرجة لونه والإضافات من زعفران وغيره أو عدمها.. أو حتى نوع الوقود من فحم أم خشب .. ولا ننسى بالطبع النقاشات على نوع الماء المناسب.. 

وإضافة الحليب قبل أو بعد الشاي .. 


يعود الأمر في النهاية إلى 

لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع .. وهذه السلع لكل اختلاف فيها أناس تناسبهم. والإنكار على الناس من أجل أمر شخصي وذوقي جدا مثل إضافة السكر أو الحليب أو اختيار المحصول أو حتى المكان الذي يفضله ليشتري منه هذا المشروب ووضع قواعد وقوالب لشيء سائل ومتحرك ومرن مثل المشروب الشخصي شيء لا يحتمل كل هذا. 


ما هي توقعاتكم للموجة الرابعة في القهوة ؟ 

ومتى ستحصل لنا موضة الشاي المختص .. والتي انتشرت في الغرب لفترة طويلة وعادت مؤخرا للانتشار بطريقة "مختصة" ؟ 




معلومات جانبية :




معنى كلمة القهوة بالعربية : مأخوذة من كلمة قهى أي صد عن الطعام. وسميت كذلك لأنها تقهي شاربها عن الطعام. فلا يشتهِ أن يأكل وهو كذلك من الأسماء التي تطلق على الخمر. 


انتشار القهوة في العالم يعود لتهريب الشجرة من اليمن إلى اندونيسيا بواسطة التجار الهولندين وزراعتها في مستعمراتهم في جزيرة جافا. ومن هنا يأتي اسم جافا الذي يطلق على القهوة بالعموم 


سبب تهريب التجار الهولنديين النبتة كان منع العثمانيين زراعتها وتصديرها دون معالجة البذور للحفاظ على سعرها والاحتكار. 


اسم موكا نسبة لميناء موخا في اليمن والذي كانت تصدر منه القهوة.


طريقة صنع القهوة الفورية مختلفة ولها عدة براءات اختراع. لكنها جميعها تعتمد على البن المحمص والمطحون واستخراج النكهات منه بالماء الساخن . ثم تجفيف هذه الخلاصة بطرق مختلفة.

مراجع استندت عليها الحلقة : 




قولوا لنا آراءكم وشاركونا 



تويتر 






انستاقرام 




الايميل 





رسالة للشخص المميز الذي وصل هنا: 

" ممتنة لوجودك في الحياة" 

الأربعاء، 16 سبتمبر 2020

المصعد الفضائي






هذه المقالة تم نشرها في مجلة القافلة على الرابط هذا وأنشرها هنا مع المراجع 








تاريخ استكشاف الفضاء الذي نعرفه كان متعلقاً بمنحات الحكومات المخصصة لهذا الغرض.

كانت هذه الاكتشافات غير مثمرة مادياً في البدايات. ولم تكن إلا مغامرة قد تنتهي بموت المشاركين فيها أو الفشل الذريع. 

كانت هذه الأفكار التي يتم تجربتها وتطبيقها أقرب ما تكون لصندوق الرمل في ساحة ألعاب العلماء. حيث يجربون ما كانوا يفكرون فيه ويتخيلون ما يمكن أن تكون عليه الأشياء. وأكثر اكتشافاتهم تمت الاستفادة منها حربيا وفي تقنيات الجيش أولا قبل أن ينتبه المستثمرون والتجار من الإمكانيات التي تقدمها هذه التقنيات للاستفادة المادية والعملية للجميع وليس فقط للجيوش والعلماء المتخصصون. 




لكن؛ إلى وقت قريب كانت الشركات الحكومية أو الممولة من الحكومات هي الفئة الوحيدة التي تستطيع الاستثمار في التجربة والخطأ. والتي تسمح للعلماء بالمغامرة ووضع الكثير من الموارد الغالية والأموال الطائلة في سفن تنطلق إلى الفضاء وتظل هناك حتى بعد انتهائها من مهمتها .فتدور أجهزة الحاسب الآلي الغالية والشرائح الذهبية والبلاتينيوم ومخازن الطاقة الشمسية في فلكها بلا هدف. صانعةً مشكلة جديدة هي التلوث في الفضاء من مخلفات هذه السفن الفضائية. 




أي عالم فضاء في هذا الزمن يجب أن يحسب مئات المرات احتمال اصطدام مركبته الفضائية الجديدة بمركبة قديمة أو قمر صناعي ميت معلق في مداره. وكل مهندس صواريخ يودّع عمله العظيم المكلّف يوم إطلاقه. وكل مؤسسة فضائية تعتبر كل هذه الأموال والموارد قد انتهت وتفترض أن في حسابها البنكي ثقوب سوادء تذهب فيها كل هذه الأموال والموارد الثمينة. 




هذه المشكلات، والتقنيات التي أصبح يستفيد منها الجميع. لفتت نظر بعض المستثمرين. والذين يأتون غالبا من بعد تجارب ريادية تقنية حلوا بها بعض المشاكل الأرضية. والذين بعد أن نجحت محاولاتهم وأصبح لديهم من المال ما يكفي لتأمل النجوم. أصبحوا يرون المشكلات التي تواجهها المؤسسات الفضائية وبدؤوا العمل على حلها بعقلية ريادية وتجارية. 




أول هذه المشكلات التي واجهوها هي التكلفة العالية وهدر الموارد. 




أدرك هؤلاء الرياديين التقنيين أن عملهم لوحدهم قد لا يساعد في إيجاد الحل في وقت مناسب. فاجتمعوا وأطلقوا مسابقات بجوائز تصل إلى خمسة ملايين دولار. لحل بعض المشاكل التي يواجهها الكوكب وسكانه والفضاء. 




نجحت مبادرتهم ومسابقة prizeX التي أنشؤوها في إيجاد حل لمشكلة عودة المركبات الفضائية بعد انتهاء مهماتها.وكانت الفرق المتنافسة شديدة الدقة لدرجة جعلت الحكام يحكمون بالفوز للفريق الأقرب من نقطة الهبوط المطلوبة بفرق سنتيميترات. ومن المثير للاهتمام أن من فاز بهذه المسابقة استثمر ما يفوق المليون دولار ليفوز بمسابقة جائزتها مليون دولار فقط. لكن دخول ناسا وSpaceX واستثمارهم في التقنيات الفائزة، لابد أنه عوّض الفريق الفائز عما خسره مادياً في تطوير تقنياته ومعداته.




أبرز من استفاد منها عملياً هو Elon Musk فقد استخدمها لتطوير صواريخ شركته spaceX بحيث يمكن للصواريخ بعد أن تنتهي من مهمتها. العودة إلى الأرض بسلام وإعادة استخدام الصاروخ لمهام أخرى. 




من الجميل أن هذه الصواريخ التي تبدو وكأنها لعبة تقاد بعصا تحكم كالتي تستخدم في ألعاب الفيديو. لها إمكانيات عالية مثل إطلاق الأقمار الصناعية ويمكن أن يربطوا أكثر من واحد لمهمة تحتاج طاقة أكبر بدلا من بناء صاروخ جديد لهذه المهمات الخاصة. ثم تعود كلها إلى الأرض كي تستمر في العمل. 




من مشاريع شركة spacex أن تصل إلى المريخ، وأن تجعل السفر الفضائي سياحة للجميع. بل إنها تضع الأسعار الخاصة لكل رحلة في موقعها وكأنهم سيذهبون غدا إلى المريخ. لكن هل توقعاتهم وآمالهم منطقية ؟ وهل صواريخهم هذه تعمل بواقعية ؟ 





التجارب السابقة لإطلاق وعودة الصواريخ لم تنجح جميعها. والصاروخ الوحيد الذي نجى من التجربة. أعادوا إطلاقه مرة أخرى قبل أسابيع في 27 مارس 2017. وقد حمل معه قمراً فضائياً وضعه في المدار من شركة SES التي كانت مهتمة جداً بأن تكون أول من يستخدم صاروخا معاد الاستخدام ويطير بدون طيار. 




إعادة استخدام الصواريخ لمثل هذه المهام تحل أكبر مشكلة تواجه المستثمرين والعلماء في مجال أبحاث الفضاء. وهي التكلفة المادية العالية. فبدل أن تدفع عشرات الملايين على كل إطلاق صاروخي. فأنت تدفع بضع ملايين. وفي هذا المجال من الأبحاث والاستثمارات. تعتبر توفيراً عظيماً. خاصة أن بعض أجزاء الصاروخ يمكن إعادة استخدامها حتى 100 مرة. لكن Elon يؤكد أنهم لن يستخدموا أجزاء الصاروخ أكثر من 12 مرة في هذه المرحلة. 




يبدو السيد Musk شديد التفاؤل وهو يؤكد على عمل الخصومات لمن يستخدم خدماتهم أكثر من مرة. ويؤكد أنه سوف يعيد إطلاق هذا الصاروخ الناجح في هذه المرحلة أكثر من عشر مرات. ولِمً لا ؟ فهو يعتبر هذا النجاح مجرد خطوة أولى لاستعمار المريخ، والرحلات الفضائية السياحية. 




ثقته العالية هذه لا تأتي من فراغ تمت تعبئته بغرور الريادي الذي نجح مرة في فكرة مجنونة. بل لأن هذه المرحلة التي نتكلم عنها الآن والتي أخذت منك خمس دقائق للقراءة عنها. استغرقت في الحقيقة 15 سنة على الأقل ليصل لها هو وفريقه. وقد بدؤوا الآن بالتخطيط النظري بناء على ما عملوه حتى الآن لإيصال مركبة فضائية إلى المريخ. هذه المركبة الفضائية تعتمد على الصواريخ معادة الاستعمال لأنها ستحتاج حسب تقديراتهم تعبئة وقودها ثلاث مرات. وهذه المهمة سيقوم بها صاروخ يحمل الوقود إلى المركبة الفضائية بعد أن يساعد في إطلاقها أول مرة. 




كما أن التقدم العلمي المنتظر لحل مشكلات فضائية نواجهها لا يمكن حله بوضعنا ساق على أخرى ورمي الفرضيات في الهواء. بل يتوجب العمل والتجربة وحتى الخطأ. ودخول الاستثمار التجاري على هذا المجال وبطريقة عمل المستثمرين التجاريين والرياديين سيدفع بعجلة التقدم أكثر ويدفع العلماء بالتفكير بتقليل التكاليف المادية والبشرية مما ييسر عمل التجارب وجعل تكلفة الخطأ قابلة للاحتمال لمن استثمر في الأفكار الجديدة. المزيد من التجارب تعني المزيد من الحلول والمزيد من الحلول تعني المزيد من الاستكشاف والمزيد من الاستكشاف يعني المزيد من المعرفة. وهلم جرا 




النتيجة الأخرى على هامش هذا التقدم العلمي هو إعادة فتح الآمال عند الشباب وصغار السن لدراسة هذا المجال والتعرف عليه أكثر. فمنذ أن وطأت قدمي نيل أرمسترونق القمر. لم تأتِ الأخبار بما يثير شهية صغار السن لمعرفة المزيد عن هذا المجال العلمي الجميل. بل إن الإعلام في كل مكان بدأ يستخدم ما يبعدهم عنه ويجعل الفكرة شديدة الصعوبة. بحيث يتم ضرب المثل في الصعوبة بـ " علم الصواريخ" ويتم تصنيف المهتمين بمثل هذه العلوم بأنهم "مهووسين" و"غرباء أطوار" ويعتبرون أن من يفكر بدراسة أو قراءة هذه المعلومات يعاني من مشكلة عقلية تبدأ بالعبقرية المجنونة وتنتهي بمتلازمة اسبرقر. 




ريادة الفضاء الآن تدخل مرحلة مهمة تأخرت كثيراً وهي كسر قيود الحصرية والتكاليف. وقد يكون جيلنا شاهد على وطء قدم الإنسان الأول على المريخ. وقد يذهب أحد أبنائي للسياحة هناك وأبدأ توصيته بارتداء العدة اللازمة لحمايته من الأشعة الفضائية كما أوصيه الآن بوضع الكريم الواقي من أشعة الشمس الضارة على الشاطئ. 




من سيكون ابن بطوطة لما بين المجرات القادم ؟