الخميس، 21 يناير 2021

بودكاست شسمه ، الحلقة 1: القهوة المختصة







نص الحلقة : 


أهلا وسهلا .. أنا وفاء خالد .. عندي هوس غريب بالتنقيب عن كل وجهات النظر لما أنتبه لشي .. كنت أتفلسف على الناس اللي أعرفهم لكن وقفت تماشيا مع آداب الحديث. راودتني فكرة البودكاست من 2015 لأني ما أحب أصور نفسي وأنشر على سنابتشات أو يوتيوب .. لكن ما كنت متأكدة من اختياره لحد ما شفت بدء انتشار البودكاست في الوسط العربي .. 


لذا .. 


بدأت الآن .. 


أي ملاحظات منكم رح تساعدني بالتحسن. وأي اقتراحات رح أنظر لها بكل اهتمام. ونشركم للبودكاست إذا أعجبكم مطلوب ومقدّر .. 


بودكاستنا اليوم عن القهوة المختصة .. إذا كنت تسكن في السعودية بأي مدينة كبيرة بتلاحظ إنك كل مرة تطلع بتشوف مقهى جديد للقهوة المختصة .. ولما تدخل لأغلبها أول مرة يجيك ديجافو لأنك تلقى أنماط معينة متكررة في المفهوم والخدمة .. إذا كانت ما تقدم جديد بالنسبة لي كزبون، ليه أشوفها في كل مكان وتزيد كأنها بوبكورن ؟ 


قبل كل شي .. خل نتفق على بعض المفاهيم .. ما هي القهوة المختصة ؟ 

أسهل طريقة للوصف قهوة زُرِعت وحمّصت وحضّرت وقيّمت بطريقة مثالية تُظهر خصائص مميزة لكل محصول. 

تقدر تشوفها مثل شعلة الأولمبياد كل واحد من هؤلاء يعامل المنتج بأفضل وأحدث الطرق العلمية لحد ما توصل لكوبك.

ليست جميع محاصيل القهوة تأخذ مرتبة (المختصة) إذ أن الشرط كي يطلق عليها هذا اللقب هو أن تحصل على تقييم 80 من 100 من قبل speciality coffee association .. والذي تأسس سنة 1982


يستعير المقيمون اللي عددهم فوق 3500 عالميا من عالم الخمور مصطلحاتهم في التقييم. _هذا ليس مستغربا وسنعود لذلك فيما بعد؛ أهمية هذا التقييم هي التأكد من أن المُزارع يكافأ بقيمة عادلة لتعبه طوال العام في توفير البيئة المثالية للشجرة كي تصل القهوة بجودة عالية. 


على طاري المزارعين.. خل نتكلم عن الشجرة شوي.. أغلب المعروض في السوق من القهوة يعود لواحد من هذين النوعين: 

روبوستا : وهي النوع الأقوى والتي تحتمل الحرارة أكثر من أختها. وفيها كمية كافيين أعلى وبذلك لها طعم أقوى. 

والأرابيكا : دلوعة أكثر من الروبوستا. وتحتاج بيئة تعتبر أصعب عناية قليلا مما يرفع من سعرها، كمية الكافيين فيها أقل من الأخرى ولكن الطعم لا يختلف عليه اثنان.

أغلب القهوة التجارية كانت تعتمد على خلط هذين النوعين لإيجاد توازن بين الطعم والسعر وكمية الكافيين. وتستخدم تحميص غامق جدا لتوحيد النكهة بين كل المزارع المختلفة التي تشتري منها محاصيلها. 



شجرة القهوة تنبت في المرتفعات غالبا وتحب الأجواء التي تميل إلى البرودة. كانت الطريقة الصناعية لإنتاج كميات كبيرة منها هي زراعة الأرض العالية بشجرة القهوة فقط وتغذية الأرض بأسمدة ومعادن كيميائية .. ومحاربة الآفات بنفس الطريقة. 

الكمية التي تنتج بهذه الطريقة ليست سيئة لكنها ليست مميزة وكميتها كبيرة. رغم أن المزرعة قد تبدو مرتبة وجميلة بصفوفها الموحدة الخضراء، إلا أنها تعتبر صحراء بيئية. 

أي لا تنمو فيها الأشجار كما هي بطبيعتها ولا تشجع التلقيح الطبيعي بواسطة الحشرات والطيور والخفافيش .. وهذه مشكلة لأن الحشرات تجذب الطيور التي تقضي على آفة في النهار والخفافيش التي تقضي عليها في الليل .. كما أن الطيور لا تفضل أن تعيش في مثل هذه المزارع. بالإضافة إلى ذلك فإن الأرض تستهلك الكثير من المواد المطلوبة لإنتاج القهوة ولا يوجد مصدر آخر لإثراء التربة غير إضافتها يدويا وبمواد مصنّعة. لذلك لا يستطيع أن ينتج القهوة بهذه الطريقة إلا الشركات الكبيرة أو المزارعين الكبار بميزانيات ضخمة تحتمل الخسارة في حال أتت أي آفة إلى المحصول.

أما المزارع الصغير فلا يمكن أن يستمر بهذه الطريقة في الزراعة لأن آفة واحدة قد تقضي على المحصول كاملا مما يعني أن تعبه طوال العام لن يعود عليه بالمردود المطلوب كي يعيش بكرامة ويستمر في زراعة القهوة مرة أخرى. لهذا تجد أغلب المزارعين الصغار يستخدمون طريقة مختلفة. وهي تقليد بيئة الغابة وزراعة أشجار كبيرة بين أشجار القهوة لتظليلها وتقليل درجة الحرارة الواقعة عليها. هذه الأشجار الظليلة غالبا تكون مثمرة كي يستطيع المزارع بيع محصولها وزيادة دخله أو تعويض خسارته في حال فشل محصول القهوة. ومن مزايا هذه الطريقة أنها تجذب الكثير من الفصائل الحية المفيدة من الحشرات والطيور. فلا يعود المزارع محتاجا للتلقيح اليدوي ويركز المزيد من الجهود ليساعد الأرض على تعويض ما فقدته بطريقة طبيعية. هذه الطريقة تنتج كمية أقل من القهوة كمحصول. لكنها تظل مكلفة جدا بالنسبة للمزارع الصغير.


لما كنت صغيرة كانت أمي تحذرني من وضع علبة القهوة في دولاب البهارات قائلة : " القهوة دلوعة وتاخذ ريحة أي شي جنبها.. خليها لحالها" .. وتعلمت بالتجربة أن معاندة هذه القاعدة تعني قهوة بنكهة البرياني. 

القهوة تمتص الروائح والنكهات من حولها وهذه الصفة تعطي للزراعة التقليدية ميزة إنتاج قهوة بنكهات فواكة مختلفة بحسب أنواع الشجر الظليل المثمر الذي يزرع حولها. 

أصبحت هذه المزارع الصغيرة تُنتج قهوة برائحة التوت أو بنكهة حمضيات وماشابهها. و للحفاظ على هذه النكهات المميزة أصبح المختصون بالتحميص يستكشفون طرق جديدة لتحضيرها دون المساس بهذه النكهات الجانبية المميزة. ومن هنا بدأ تقييم القهوة يتشابه مع التقييم الخاص بالخمور ..

على الطاري.. 


تدرون إن القهوة حُرّمت ومُنعت في العالم الإسلامي لفترة؟ وخاصة في مكة المكرمة .. وكان النقاش في حلها وحرمتها يطول ويزيد بين العلماء والسلاطين .. فحينا تُمنع وأخرى تُحل. 

بينما حرّمت السلطات الدينية في أوروبا القهوة لأنها مشروب المسلمين.. بعد انتشارها وانتشار المقاهي فيها أصبحت مكانا بديلا عن الخمارات التي كانوا يرتادونها للنقاش .. فأصبحت النقاشات تدار بعقل غير مغيّب بتأثير الخمر. وأصبحت القهوة رمزا للأماكن الثقافية ونقاشات الفلسفة.. حتى وصل بالبعض أن يزعم أن لولا انتشار القهوة في أوروبا لما قامت الثورات فيها وتغيرت الحكومات.


ومن أسباب حرمتها عند المسلمين في بعض الأزمان أن بيوت القهوة كانت مكانا يجتمع به الرجال والنساء وبينهم دف ورباب وألعاب الملاهي التي يكون عليها الرهان مثل الشطرنج (التي حُرّمت أيضا في فترة ما) .. 

يذكركم الوصف بشيء ؟ أيييووووة .. المقاهي الحالية بالموسيقى العالية والشريحة المستهدفة من الشباب والشابات صغار السن. حتى أنني سمعت إشاعة أن بعض أصحاب المقاهي الجديدة يستأجرون فتاة جميلة مهمتها الوحيدة أن تتزين وتأتي للمقهى لتمثل دور الزبونة.. حيث أن هذه هي الشريحة المستهدفة ويريدون استقطاب من هم في عمرها واهتماماتها.. 

على فكرة هذا مو شي غريب في أساليب التسويق، وإذا كنت تعمل في مكان فيه صندوق للبقشيش أول ما يجب أن تفعله أن تضع بضع ريالات في الصندوق قبل وصول الزبائن. وجود هذه الأموال في الصندوق يؤكد للناس أن هناك من يفعل هذا وأنه مستحب ولطيف حيث يجعله يشعر بالضغط لأن يفعل مثلهم وإلا كانت نظرة الباريستا له كشخص بخيل. 


طيب ماذا بعد الزراعة والمعالجة والتحميص ؟ 


التحضير 


هنا بدأ الباريستا بالتفنن واستخدام العلوم من رياضيات وفيزياء وكيمياء وحتى الهندسة لابتكار أفضل الطرق لاستخلاص النكهة المطلوبة من كل محصول. فبعض النكهات تظهر بشكل أفضل بطرق تحضير مختلفة. 


على فكرة .. معنى الباريستا الحرفي هو من يعمل من خلف بار أي طاولة عالية لتقديم المشروبات. وهي كلمة إيطالية عامة لجميع العاملين في تقديم المشروبات مثل الخمور والقهوة .. 

لكنها أصبحت تعني القهوجي بعد سنة 1982


طيب إذا كانت القهوة المختصة تصنع بكميات قليلة وسعر غالي,وتُعامل كبضاعة فنية وليس مجرد سلعة عادية .. هذا يعني أن من يستهلكونها سيكونون قلة مقارنة بالمقاهي الأخرى.. صح ؟ 

إذا لماذا نجد المقاهي المختصة تزيد بشكل متسارع ؟ وشاربي القهوة المختصة يكثرون ؟ 


نحن نعيش الآن الموجة الثالثة من موضات القهوة. وهذا هو الاسم الأنيق لكلمة "هبّة" الدارجة .. 


لازلت أتذكر صديق والدي الذي كان يهدينا البن الأخضر بعد أن يعود من زيارة أهله في جنوب المملكة ونقوم بتحميصه في المنزل حتى تصبح القهوة شقراء بكميات قليلة ثم نحضّرها بطريقتنا التقليدية مبهّرة بالزعفران والهيل. 


كانت هذه هي الطريقة المعتادة للقهوة في أغلب أنحاء العالم. ثم أصبحت تحمص في المصانع وتحضر في المنازل وكل ثقافة لها طريقتها.


ثم اخترع رجل فرنسي اسمه ألفونس آلي Alphonse Allais فكرة القهوة الفورية التي تصنع مباشرة بإضافة الماء سنة 1881 ميلادية.. لم تلق قهوته رواجا كبيرا ولكن عادوا لهذه الفكرة في الحرب الأهلية الأمريكية. لأن فكرة مشروب ساخن سهل التحضير وسهل الحمل كانت ممتازة. رغم أن المسحوق الذي وزّع على الجنود كان مخلوطا بالحليب المجفف والسكر. إلا أنه كان سيئ النكهة فتوقف إنتاجه. 

ثم عادت الفكرة إلى الظهور مرة أخرى بعد تحسن طريقة إنتاج القهوة الفورية وسريعة التحضير .. وكانت الموجة الأولى من موضات القهوة التي تركز على إخراج تحميص القهوة من المنازل والتركيز على السهولة والسرعة والكميات الكبيرة وتوفرها في كل مكان. لم يكن التركيز منصبا على نوع الشجرة أو منشأها هنا. 

ومن الشركات الرائدة في هذه الموجة كانت Folger و Maxwell House. 

استمرت هذه الموجة من الفترة 1850 تقريبا حتى 1966 لما نشأت سلسلة مقاهي Peet's في أميركا. وبدأت ثقافة القهوة الجديدة في الموجة الثانية بالتركيز على بن الأرابيكا والمشروبات الخاصة بالمقاهي. والنكهات الجديدة المضافة للقهوة. والشركة التي نشرت هذه الموجة في العالم هي ستاربكس وكوستا. 

الموجة الثالثة التي نرى الآن بدء انتشارها في مجتمعنا بدأت في بدايات التسعينات في أميركا خاصة. أعادت مقاهي مثل Intelligentsia و Stumptown و Counter Culture التفكير بصناعة القهوة جميعها وفي كل مراحلها حتى تصل إلى الكوب. وركزت هذه الموجة الجديدة على حب جيل الألفية للقصص في التسويق. فاستغلت ثقافة التجارة العادلة ومصادر القهوة وطريقة الزراعة والكميات القليلة لتغرس تميزها في ذهن المستهلك وولائه. 



أصدقاء الشاي الأحبة .. ترى ما نسيتكم .. 

يضحكني دوما سماع أصحاب حزب الشاي وهم يتكلمون عن تعقيد أصحاب حزب القهوة وادعاءات الثقافة والبورجوازية .. في مقابل أن الشاي هو مشروب الناس البسيطة والمتواضعة والطبقة الكادحة .. 

للشاي أكثر من 100 نوع .. دون أن نحسب الأنواع المخلوطة بالفواكه والبهارات .. والتي تندرج تحت الأبيض والأخضر والأحمر والأسود .. والتي لكل لون منها عدد مرات تخمير وطريق تجفيف مختلفة .. دون أن نتكلم عن الماتشا حتى الآن.. 


كما أن تاريخ الشاي بدأ عند الطبقة البرجوازية مع امبراطور الصين .. واستمر مشروبا للطبقة المخملية فترة طويلة من التاريخ. فنقلته كاثرين زوجة الملك البريطاني تشارلز الثاني من بلدها البرتغال إلى بريطانيا. وانتشرت ثقافة شرب الشاي وتقاليده في الطبقة المخملية البريطانية والتي نقلته إلى العالم بعد الاستعمار وشنت حرب الأفيون على الصين كي تجبرها للرضوخ وبيع الشاي لها. 

كما أنها سرقت الشجرة من الصين ونقلت زراعته إلى مستعمراتها في سيلان وسوّقت للشاي السيلاني على أنه الأفضل والأجود والأصل. وكانت بعض الشعوب كطريقة سياسية قوية تقاطع الشاي للتخلص من مظاهر الإمبريالية البريطانية 


وتقاليد الشاي الإنجليزية و صالوناتها الخاصة تعتبر في قمة البساطة حين مقارنتها بالتقاليد الخاصة في بلاد الشاي الأصلية. فمن ينسى أن لتقاليد الشاي دورات تعليميه للمقبلات على الزواج وللاتي يرغبن بالعمل ك (قيشا) في اليابان. 

ومن ينسى النقاشات الحادة أحيانا التي تحصل بين أفراد العائلة الواحدة عن نوعية الشاي المستخدم وكميته ومدة نقعه ودرجة لونه والإضافات من زعفران وغيره أو عدمها.. أو حتى نوع الوقود من فحم أم خشب .. ولا ننسى بالطبع النقاشات على نوع الماء المناسب.. 

وإضافة الحليب قبل أو بعد الشاي .. 


يعود الأمر في النهاية إلى 

لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع .. وهذه السلع لكل اختلاف فيها أناس تناسبهم. والإنكار على الناس من أجل أمر شخصي وذوقي جدا مثل إضافة السكر أو الحليب أو اختيار المحصول أو حتى المكان الذي يفضله ليشتري منه هذا المشروب ووضع قواعد وقوالب لشيء سائل ومتحرك ومرن مثل المشروب الشخصي شيء لا يحتمل كل هذا. 


ما هي توقعاتكم للموجة الرابعة في القهوة ؟ 

ومتى ستحصل لنا موضة الشاي المختص .. والتي انتشرت في الغرب لفترة طويلة وعادت مؤخرا للانتشار بطريقة "مختصة" ؟ 




معلومات جانبية :




معنى كلمة القهوة بالعربية : مأخوذة من كلمة قهى أي صد عن الطعام. وسميت كذلك لأنها تقهي شاربها عن الطعام. فلا يشتهِ أن يأكل وهو كذلك من الأسماء التي تطلق على الخمر. 


انتشار القهوة في العالم يعود لتهريب الشجرة من اليمن إلى اندونيسيا بواسطة التجار الهولندين وزراعتها في مستعمراتهم في جزيرة جافا. ومن هنا يأتي اسم جافا الذي يطلق على القهوة بالعموم 


سبب تهريب التجار الهولنديين النبتة كان منع العثمانيين زراعتها وتصديرها دون معالجة البذور للحفاظ على سعرها والاحتكار. 


اسم موكا نسبة لميناء موخا في اليمن والذي كانت تصدر منه القهوة.


طريقة صنع القهوة الفورية مختلفة ولها عدة براءات اختراع. لكنها جميعها تعتمد على البن المحمص والمطحون واستخراج النكهات منه بالماء الساخن . ثم تجفيف هذه الخلاصة بطرق مختلفة.

مراجع استندت عليها الحلقة : 




قولوا لنا آراءكم وشاركونا 



تويتر 






انستاقرام 




الايميل 





رسالة للشخص المميز الذي وصل هنا: 

" ممتنة لوجودك في الحياة" 

الأربعاء، 16 سبتمبر 2020

المصعد الفضائي






هذه المقالة تم نشرها في مجلة القافلة على الرابط هذا وأنشرها هنا مع المراجع 








تاريخ استكشاف الفضاء الذي نعرفه كان متعلقاً بمنحات الحكومات المخصصة لهذا الغرض.

كانت هذه الاكتشافات غير مثمرة مادياً في البدايات. ولم تكن إلا مغامرة قد تنتهي بموت المشاركين فيها أو الفشل الذريع. 

كانت هذه الأفكار التي يتم تجربتها وتطبيقها أقرب ما تكون لصندوق الرمل في ساحة ألعاب العلماء. حيث يجربون ما كانوا يفكرون فيه ويتخيلون ما يمكن أن تكون عليه الأشياء. وأكثر اكتشافاتهم تمت الاستفادة منها حربيا وفي تقنيات الجيش أولا قبل أن ينتبه المستثمرون والتجار من الإمكانيات التي تقدمها هذه التقنيات للاستفادة المادية والعملية للجميع وليس فقط للجيوش والعلماء المتخصصون. 




لكن؛ إلى وقت قريب كانت الشركات الحكومية أو الممولة من الحكومات هي الفئة الوحيدة التي تستطيع الاستثمار في التجربة والخطأ. والتي تسمح للعلماء بالمغامرة ووضع الكثير من الموارد الغالية والأموال الطائلة في سفن تنطلق إلى الفضاء وتظل هناك حتى بعد انتهائها من مهمتها .فتدور أجهزة الحاسب الآلي الغالية والشرائح الذهبية والبلاتينيوم ومخازن الطاقة الشمسية في فلكها بلا هدف. صانعةً مشكلة جديدة هي التلوث في الفضاء من مخلفات هذه السفن الفضائية. 




أي عالم فضاء في هذا الزمن يجب أن يحسب مئات المرات احتمال اصطدام مركبته الفضائية الجديدة بمركبة قديمة أو قمر صناعي ميت معلق في مداره. وكل مهندس صواريخ يودّع عمله العظيم المكلّف يوم إطلاقه. وكل مؤسسة فضائية تعتبر كل هذه الأموال والموارد قد انتهت وتفترض أن في حسابها البنكي ثقوب سوادء تذهب فيها كل هذه الأموال والموارد الثمينة. 




هذه المشكلات، والتقنيات التي أصبح يستفيد منها الجميع. لفتت نظر بعض المستثمرين. والذين يأتون غالبا من بعد تجارب ريادية تقنية حلوا بها بعض المشاكل الأرضية. والذين بعد أن نجحت محاولاتهم وأصبح لديهم من المال ما يكفي لتأمل النجوم. أصبحوا يرون المشكلات التي تواجهها المؤسسات الفضائية وبدؤوا العمل على حلها بعقلية ريادية وتجارية. 




أول هذه المشكلات التي واجهوها هي التكلفة العالية وهدر الموارد. 




أدرك هؤلاء الرياديين التقنيين أن عملهم لوحدهم قد لا يساعد في إيجاد الحل في وقت مناسب. فاجتمعوا وأطلقوا مسابقات بجوائز تصل إلى خمسة ملايين دولار. لحل بعض المشاكل التي يواجهها الكوكب وسكانه والفضاء. 




نجحت مبادرتهم ومسابقة prizeX التي أنشؤوها في إيجاد حل لمشكلة عودة المركبات الفضائية بعد انتهاء مهماتها.وكانت الفرق المتنافسة شديدة الدقة لدرجة جعلت الحكام يحكمون بالفوز للفريق الأقرب من نقطة الهبوط المطلوبة بفرق سنتيميترات. ومن المثير للاهتمام أن من فاز بهذه المسابقة استثمر ما يفوق المليون دولار ليفوز بمسابقة جائزتها مليون دولار فقط. لكن دخول ناسا وSpaceX واستثمارهم في التقنيات الفائزة، لابد أنه عوّض الفريق الفائز عما خسره مادياً في تطوير تقنياته ومعداته.




أبرز من استفاد منها عملياً هو Elon Musk فقد استخدمها لتطوير صواريخ شركته spaceX بحيث يمكن للصواريخ بعد أن تنتهي من مهمتها. العودة إلى الأرض بسلام وإعادة استخدام الصاروخ لمهام أخرى. 




من الجميل أن هذه الصواريخ التي تبدو وكأنها لعبة تقاد بعصا تحكم كالتي تستخدم في ألعاب الفيديو. لها إمكانيات عالية مثل إطلاق الأقمار الصناعية ويمكن أن يربطوا أكثر من واحد لمهمة تحتاج طاقة أكبر بدلا من بناء صاروخ جديد لهذه المهمات الخاصة. ثم تعود كلها إلى الأرض كي تستمر في العمل. 




من مشاريع شركة spacex أن تصل إلى المريخ، وأن تجعل السفر الفضائي سياحة للجميع. بل إنها تضع الأسعار الخاصة لكل رحلة في موقعها وكأنهم سيذهبون غدا إلى المريخ. لكن هل توقعاتهم وآمالهم منطقية ؟ وهل صواريخهم هذه تعمل بواقعية ؟ 





التجارب السابقة لإطلاق وعودة الصواريخ لم تنجح جميعها. والصاروخ الوحيد الذي نجى من التجربة. أعادوا إطلاقه مرة أخرى قبل أسابيع في 27 مارس 2017. وقد حمل معه قمراً فضائياً وضعه في المدار من شركة SES التي كانت مهتمة جداً بأن تكون أول من يستخدم صاروخا معاد الاستخدام ويطير بدون طيار. 




إعادة استخدام الصواريخ لمثل هذه المهام تحل أكبر مشكلة تواجه المستثمرين والعلماء في مجال أبحاث الفضاء. وهي التكلفة المادية العالية. فبدل أن تدفع عشرات الملايين على كل إطلاق صاروخي. فأنت تدفع بضع ملايين. وفي هذا المجال من الأبحاث والاستثمارات. تعتبر توفيراً عظيماً. خاصة أن بعض أجزاء الصاروخ يمكن إعادة استخدامها حتى 100 مرة. لكن Elon يؤكد أنهم لن يستخدموا أجزاء الصاروخ أكثر من 12 مرة في هذه المرحلة. 




يبدو السيد Musk شديد التفاؤل وهو يؤكد على عمل الخصومات لمن يستخدم خدماتهم أكثر من مرة. ويؤكد أنه سوف يعيد إطلاق هذا الصاروخ الناجح في هذه المرحلة أكثر من عشر مرات. ولِمً لا ؟ فهو يعتبر هذا النجاح مجرد خطوة أولى لاستعمار المريخ، والرحلات الفضائية السياحية. 




ثقته العالية هذه لا تأتي من فراغ تمت تعبئته بغرور الريادي الذي نجح مرة في فكرة مجنونة. بل لأن هذه المرحلة التي نتكلم عنها الآن والتي أخذت منك خمس دقائق للقراءة عنها. استغرقت في الحقيقة 15 سنة على الأقل ليصل لها هو وفريقه. وقد بدؤوا الآن بالتخطيط النظري بناء على ما عملوه حتى الآن لإيصال مركبة فضائية إلى المريخ. هذه المركبة الفضائية تعتمد على الصواريخ معادة الاستعمال لأنها ستحتاج حسب تقديراتهم تعبئة وقودها ثلاث مرات. وهذه المهمة سيقوم بها صاروخ يحمل الوقود إلى المركبة الفضائية بعد أن يساعد في إطلاقها أول مرة. 




كما أن التقدم العلمي المنتظر لحل مشكلات فضائية نواجهها لا يمكن حله بوضعنا ساق على أخرى ورمي الفرضيات في الهواء. بل يتوجب العمل والتجربة وحتى الخطأ. ودخول الاستثمار التجاري على هذا المجال وبطريقة عمل المستثمرين التجاريين والرياديين سيدفع بعجلة التقدم أكثر ويدفع العلماء بالتفكير بتقليل التكاليف المادية والبشرية مما ييسر عمل التجارب وجعل تكلفة الخطأ قابلة للاحتمال لمن استثمر في الأفكار الجديدة. المزيد من التجارب تعني المزيد من الحلول والمزيد من الحلول تعني المزيد من الاستكشاف والمزيد من الاستكشاف يعني المزيد من المعرفة. وهلم جرا 




النتيجة الأخرى على هامش هذا التقدم العلمي هو إعادة فتح الآمال عند الشباب وصغار السن لدراسة هذا المجال والتعرف عليه أكثر. فمنذ أن وطأت قدمي نيل أرمسترونق القمر. لم تأتِ الأخبار بما يثير شهية صغار السن لمعرفة المزيد عن هذا المجال العلمي الجميل. بل إن الإعلام في كل مكان بدأ يستخدم ما يبعدهم عنه ويجعل الفكرة شديدة الصعوبة. بحيث يتم ضرب المثل في الصعوبة بـ " علم الصواريخ" ويتم تصنيف المهتمين بمثل هذه العلوم بأنهم "مهووسين" و"غرباء أطوار" ويعتبرون أن من يفكر بدراسة أو قراءة هذه المعلومات يعاني من مشكلة عقلية تبدأ بالعبقرية المجنونة وتنتهي بمتلازمة اسبرقر. 




ريادة الفضاء الآن تدخل مرحلة مهمة تأخرت كثيراً وهي كسر قيود الحصرية والتكاليف. وقد يكون جيلنا شاهد على وطء قدم الإنسان الأول على المريخ. وقد يذهب أحد أبنائي للسياحة هناك وأبدأ توصيته بارتداء العدة اللازمة لحمايته من الأشعة الفضائية كما أوصيه الآن بوضع الكريم الواقي من أشعة الشمس الضارة على الشاطئ. 




من سيكون ابن بطوطة لما بين المجرات القادم ؟

السبت، 23 يونيو 2018

محيط يغرق بالبلاستيك

السلام عليكم 

هذه المقالة تم نشرها في مجلة القافلة بشكل مختصر على هذا الرابط. هنا هي موجودة بشكلها الكامل وروابط للمراجع. 



محيط يغرق بالبلاستيك 
صحوت من النوم، توجهت لدورة المياه، غسلت وجهي ونظفت أسناني بالفرشاة والمعجون، لبست ملابسي الرياضية وحذائي واتجهت للسيارة..

في أول عشر دقائق من يومي فقط. لم أستطع حصر عدد المنتجات البلاستيكية التي لمستها واستخدمها. أين تذهب كل هذه النفايات بعد أن أرميها في القمامة ؟

تلك الكرات الصغيرة في معجون أسناني والتي تجعلها بيضاء تسر الناظرين ( قائمة بالمنتجات التي تضم هذه ال microbeads). وأختها التي تقشر بشرتي في غسول الوجه اليومي وتجعلني أكثر نضارة. ليست إلا حبيبات كروية بلاستيكية صغيرة تنتهي في المجاري، التي تتم إعادة معالجتها ثم تعاد للبحر. عملية المعالجة لا تستطيع التعامل مع هذه الكريات الصغيرة. فتأكلها سمكة في الخليج ثم يتم صيدها وأتناولها أنا وأطفالي على غداء العائلة الممتدة الأسبوعي.

لو عصرت معجون الأسنان في ملعقة وتناولته مباشرة سأصل لنفس النتيجة.

ملايين الأطنان من البلاستيك تلاحقنا في كل مكان. وأطنان من الأوراق العلمية التي تركض خلفها لاهثة تحاول لفت نظرنا أننا أفرطنا باستخدام البلاستيك.

مادة البلاستيك بتفرعاتها المختلفة تجعل من الاعتماد عليه أمرا سهلا. فهو رخيص، متوفر، عملي. ويجعل التخلي عنه أصعب من التخلص من إدمان المخدرات. فقد أدمنت الشركات الكبرى على يسر وقيمة البلاستيك الرخيصة واستخداماته العديدة.

عندما نفكر في البلاستيك فإن أول ما يخطر في بالنا هو قوارير الماء المعبأة وأكياس البقالة. لأننا نستخدم المنتجين بكثرة وبوضوح. لكن لم نفكر من قبل بقماش الجينز المريح والجوارب وقمصاننا الرياضية التي تساعدنا على الاستمرار بالتمرين وتلك الأشياء الصغيرة اللامعة في فساتين الحفلات والتافتا التي تحقق أحلام الصغيرات بالدوران في فستان يدور حولهن.
ولم نفكر كذلك في عبوة كريم البشرة المفضل. وأمواس الحلاقة التي ترمى بعد الاستخدام.

يستمر المستهلك في الاستهلاك ويربت على ضميره ويُسكته صوت صغير يقول : " كل هذا ستتم إعادة تدويره بطريقة ما، ليست مشكلتك" لكن هل فعلا تتم إعادة تدوير جميع هذه المنتجات ؟

أكواب القهوة ((الورقية))، علب العصير الكرتونية، علب الحليب طويل الأجل ومنتجات أخرى أيضا يدخل في صنعها البلاستيك لا يمكن إعادة تدويرها.

كما أن إعادة التدوير تحصل في الأماكن التي يتم فرز النفايات بها. ونحن لا نفرز نفاياتنا غالبا. وحتى تلك الحاويات المقسّمة لا نعرف كيف نتعامل معها وما هي الأشياء التي توضع بها بالضبط.

مشكلة البلاستيك الأساسية أننا لن نتخلى عنه. وسيستمر في الانتاج في كل مكان. منذ اكتشاف Leo Baekeland  له سنة 1907  ثم إيجاد تفرعات أكثر  كالبوليسترين والبوليستر وال PVC _الأسماء التي يعرفها أي شخص يقرأ مكونات الأقمشة ومواد البناء_. كانت المادة الرخيصة مثيرة لاهتمام المستثمرين والعلماء بعد الحرب العالمية وبدأت بإغرائهم لعمل تفرعات أكثر وأكثر. فهذه المادة قابلة للتعديل لأي غرض ومتوفرة بشكل كبير في الوقود العضوي. الذي كان منجما جديدا يعرفون أغلب فوائده والقليل من مضاره.  كبرت هذه المادة وكبرت معها الصناعة حتى وصلت إلى تقديرات 2,080 مليون دولار سنة 2016  في جانب واحد فقط منه. وتضاعف إنتاج العالم من البلاستيك عشرين ضعف منذ 1964 حتى الآن. ولو بحثنا على أرقام واستثمارات وتقديرات كل التفرعات لانتهينا بمئات الصفحات.


9.1 بليون طن هو تقدير العلماء لما تم إنتاجه من البلاستيك منذ 1950 وحتى الآن. لتصور الأمر أكثر..  نفايات هذا البلاستيك تستطيع التراكم على علو ثلاث كيلومترات تقريبا  ودفن جزيرة أبو علي في الخليج العربي كاملة.

لكن هل يمكننا تخفيف استخدامه ؟ ما الذي يمكن للمستهلك العادي عمله ليقلل من هذا الاستهلاك المجنون للبلاستيك؟ أكياس تسوق يعاد استخدامها؟ قوارير زجاجية للمياه يعيد استخدامها ويحملها معه بدلا من شراءها ؟
لكنه عندما يحاول التسوق يجد كل شيء مغلفا بالبلاستيك ولا يمكنه التوقف عن شراء حاجياته.
تسويق الشركات الكبرى لهذه المهمة الكبيرة وتركها على عاتق المستهلك العادي أمر غير عادل. خاصة في ظل ندرة وجود الأماكن التي توفر شراء الأشياء دون البلاستيك. وندرة الأماكن التي تستقبل البلاستيك الذي معه لإعادة التدوير.

مشكلة البلاستيك تؤرقني شخصيا. وكلما حاوت الإطلاع على تجارب الأشخاص الذي يعيشون نمط حياة خالٍ منه وجدت أن الأمر صعب. وأصعب في منطقتنا الشرقية التي تفتخر باستخراج البترول وتكريره وتصدير منتجاته ذات الجودة العالية.

تتذكرون تلك الكريات الصغيرة في معجون الأسنان ؟ ليست المنتج البلاستيكي الوحيد في البحر. توجد جزر عملاقة من نفايات البلاستيك تسبح في المحيطات. وأشهرها تلك التي في المحيط الهادئ بين هاواي وكاليفورنيا  المكونة حسب التقديرات من 7 ملايين طن من النفايات قلبها الرئيسي ينتشر على مساحة ميل مربع، وبعمق 9 أقدام.   80% من هذه النفايات بلاستيك جمعتها دوامات مختلفة على أطراف المحيط لتستقر في نقطتين مركزيتين بعيدة عن أي حدود.ولا تريد أي دولة تحمل مسؤوليتها وتنظيف المحيط منها. ولأن البلاستيك لا يتحلل بسهولة، فإنه يتكسر مع الوقت لأحجام صغيرة جدا لا يمكن أن نراها بعيننا المجردة لتنتهي كما ذكرنا في البداية في السمك فقد وجد العلماء البلاستيك في  9% من الأسماك حول هذه الجزيرة. ويتوقع بعضهم إن استمر الانتاج والاستهلاك والتخلص بنفس الرتم فسوف يصبح البلاستيك أكثر من السمك في المحيط بحلول 2050.

هذه النفايات البلاستيكية لا تتوقف عند الطفو والتجمع على سطح المحيط. فهي تدخل الآن في تفاعل الكائنات الحية مع بيئتها. تعلق الأسماك والطيور بها وتنفق. السلاحف البحرية التي تعيش في العادة مئات السنين أصبحت تختنق بالعبوات التي نرميها في القمامة دون تفكير. والقطع البلاستيكية الصغيرة التي تتناولها الأسماك غير المدركة لماهية ذاك الذي تتناوله تدخل في سلسلة غذائنا وتتحول تلك القطع البلاستيكية إلى مواد كيميائية تُخِل توازن هرموناتنا وترفع من احتمال نسبة الإصابة بأنواع عديدة من السرطانات وغيرها من الأمراض. كفرط الحركة.

مشكلة البلاستيك تمسنا جميعا. وجميعنا نشارك بها. ويمكن أن نتشارك في حلها. لكن الحل يجب أن يبدأ من الإنتاج. من الشركات التي تستخدمه بإفراط وبمنتجات استهلاكية. هذه الشركات الكبيرة لديها القدرة على تمويل الدراسات والأبحاث التي ستوجد بعض الحلول لمشكلة التغليف وابتكار منتجات صديقة للبيئة. وجعلها أرخص وأكثر عملية من البلاستيك وتنتقل إليه.  بناء على مبدأ لا يمكننا تفريغ المغسلة من المياه إن كان الصنبور لازال مفتوحا.

الأبحاث بدأت منذ مدة طويلة لكنها لم تلق الدعم الكافي ولم تتبن الشركات نتائجها حتى الآن. مثل كرات المياه Ohoo التي فاجأت عالم الانترنت وظهرت كما لو كانت مزحة في البداية والتي تأتي فكرتها من تقنية يتم استخدامها في المطاعم الفاخرة الحديثة. هي تحويل السوائل إلى كريات/كرات مغلفة بالجيلاتين (المستخرج من الطحالب غالبا) . وتضاف غالبا لتنفجر النكهات في الفم مصاحبة للطبق. طوّر ثلاث طلاب تصميم هذه التقنية للتقليل من عبوات المياه البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد. صنعوا كرات من المياه بنفس الطريقة. وهكذا يمكنك أكل كرة المياه أو شرب الماء ورمي التغليف الجيلاتيني ليتحلل.

 وأوراق التغليف المشمعة بشمع النحل كذلك صممت من مواد طبيعية لتحل محل التغليف البلاستيكي الخفيف الذي نسخدمه لحفظ الأطعمة في المنزل غالبا.  وصممت وفي البال طريقة استخدامنا لهذا البلاستيك وجُعِلت أقرب لها. فكل ما يجب أن تفعله أن تغلف الطعام بطريقتك المعتادة لكن بالاستمرار في مسك المنتج عدة ثوان يذوب الشمع قليلا مع حرارة اليد ويلتصق ببعضه مكونا الغلاف الذي نحبه واعتدنا عليه. ومع هذه السهولة والبديل الطبيعي تأتي فائدة جديدة هي إمكانية إعادة الاستخدام.   

وعبوات التغليف التي تمنع الأكسدة للأطعمة والمصنوعة من اللاكتوز المستخرج من الحليب  جاءت لتحل عدة مشاكل هي التخلص من البلاستيك الذي لا يمكن إعادة تدويره والتخلص من مخاطر المواد الكيميائية التي قد تدخل للأطعمة مع هذا التغليف غير الآمن.

كل هذه الأمثلة السابقة لاتزال في مرحلة التجربة ولم يتبنها إلا المتحمسون والمهتمون بالبيئة والصحة. ولاتزال تكلفتها لا تساوي رخص البلاستيك.

يساهم عدم فرز النفايات والاعتماد على مصانع إعادة التدوير في جمعها وفرزها في المشكلة. فعدم الفرز وانعدام الحاويات الخاصة يجعل تلك المصانع تستخدم الكثير من الأيدي العاملة والوقود الذي يحترق في شاحناتها أثناء تمشيط المدينة بحثا عن المواد الأولية فترفع تكلفة إعادة التدوير وتصبح في الغالب أعلى من تكلفة صنع عبوة جديدة. مما يدفع المستثمرين أبعد عن هذا المشروع ويدفع الشركات المنتجة للأشياء الاستهلاكية للابتعاد أكثر عن البلاستيك معاد التدوير كيلا ترفع التكلفة عليها.

فيبدأ دور المستهلك. حيث يحرص على استخدام أكواب قهوته وقوارير المياه الخاصة به وأكياس تسوقه التي يعاد استخدامها. ويبتعد عن شراء المنتجات التي لا يمكن إعادة تدويرها. ثم يبدأ بفرز نفاياته والحرص على إيداعها في حاويات إعادة التدوير الخاصة.

لكننا ننسى نقطة مهمة .. كل شيء يحتاج لفترة تعوّد .. إلا الترف. والمستهلك الآن مترف بمساعدة البلاستيك لذا ستكون العودة خطوة إلى الخلف للتقليل من البلاستيك خطوة كبيرة بالنسبة له وتحتاج للكثير من التعوّد.  

هو مترف جدا دون أن يدرك ذلك فهوتصله كل المنتجات التي يريدها من أطراف العالم وهي تحتفظ بجودتها بسببه. وتنخفض قيمة الشحن لخفة وزنه وقلة احتمالية تكسر العبوات أثناء النقل. مما يجعل من سعر هذه المنتجات التي يشتهيها ويستخدمها في متناول يده وخفيفة على جيبه.  
كما أن المنتجات البلاستيكية ساعدته في حفظ بقايا أطعمته بجودة عالية ليتناولها في وقت آخر. وساعدت على إيصال المياه بتمديدات عالية الجودة لا تصدأ ويصعب كسرها في منزله. وساعدت كذلك على طمأنته أن أطفاله يستطيعون إمساك قنينة الرضاعة الخفيفة دون أن تسقط وحتى لو سقطت فإن أسوأ ما يمكن أن يحصل هو أن يبدأ الطفل بالبكاء على الحليب المنسكب بدلا من القلق من تناثر قطع الزجاج في كل مكان وإصابته أو غيره.  
ومن الأسهل عليه أن يأخذ كوباً ورقياً وقارورة ماء وموزة واحدة _مغلفة بكيس بلاستيكي_ لا تحتاجه من مقهاه المفضل في طريقه للعمل. ومن الأسهل أن يختار المنتج دون قراءة الملصق عليه. ومن الأسهل أيضا أن يرميه في النفاية العامة دون فرز. المستهلك لديه الكثير من المشكلات الصغيرة والكبيرة في حياته التي تجعل من هذه الأفعال التي تبدو صغيرة أمرا في نهاية قائمة أولوياته.

لذا يجب رفع وعي المستهلك بحجم مشاركته الصغيرة هذه على المدى الطويل. ورفع الأولوية لهذه الأفعال بربط النتائج بصحته وصحة أولاده وأحفاده. وتيسير هذه المهام عليه وتشجيعه عليها. وكذلك إدخال الأمر في نمط حياته العادي فلا تصبح مهمة إضافية لكن جزء من عادة معينة.
نحتاج لإعادة تدريب مرة أخرى كي نُفطَم من البلاستيك. ولهذا يكون الاعتماد على نقطتي السهولة والمصلحة الشخصية لكل فرد أمرا مهما. ويمكننا التعلم من تجارب الدول الفقيرة والغنية في هذا الموضوع.

الدول الفقيرة تعتمد على أفقر طبقة في المجتمع في إعادة التدوير. تلك التي تبحث عن أي مصدر للرزق وتخشى الموت جوعا  أكثر من فكرة الجراثيم والخطورة في نبش النفايات. فتسمح لهم بالنبش في أكوام النفايات في المردم ليستخرجوا ما ينفع ويبيعونه على مصانع إعادة التدوير. وأشهر الأمثلة وأكثرها فعالية هو حي الزبالين في مصر. المجتمع الذي يعيش على أطراف مدينة القاهرة ويجمع قمامتها كل يوم ويفرزها ويعيد تدويرها. لا يُرمى شيء في هذا الحي. حتى النفايات العضوية من أطعمة وغيرها تُعطى لحيواناتهم.
حي الزبالين يتعدى بنفعه القاهرة ومصر إلى العالم كله. يعطينا نظرة مباشرة لطريقة العمل في مثل هذه النشاطات ومكسبها المادي. موديل عمل جاهز للدراسة.
بقليل من التعديلات لحل مشاكل هذا المجتمع الصحية وأخذ احتياطات السلامة الخاصة بعملهم الخطر. يمكن أن يعيش الأفراد في هذا المجتمع بمستوى سعادة أفضل ومعيشة أكثر راحة ورفع فعالية عملهم في جمع النفايات وفرزها وإعادة تدويرها. وبهذا يمكن نسخ التجربة وتعديلاتها لمجتمعات أخرى. وخلق فرص عمل جديدة في المجتمعات الأخرى.

الدول الغنية من ناحية أخرى تعتمد على وعي المستهلك والطبقة المتوسطة وسهولة المهمة عليها فتوفر مكائن تستقبل إيداعات الناس من القوارير والعلب في نفس  المكان الذي يشترون منه حاجياتهم في العادة وتدفع لهم مقابلها مبالغ بسيطة.
أو تشتري منهم قماماتهم القابلة لإعادة التدوير وتجمعها من منازلهم بعد أن يكون أصحاب المنزل قد فرزوها. أو حتى تفرض الأمر بالقانون والغرامات.

من الأمثلة الرائدة في هذا المجال ألمانيا التي وصلت لأعلى معدل إعادة تدوير في أوروبا بنسبة 65% سنة 2016.  واليابان التي وصلت لنسبة 77% من إعادة تدوير البلاستيك وتقود الطريق عالميا بأمثلة ممتازة.  والسويد التي تسعى للوصول إلى هدف "صفر نفايات" . وتعاون معها المجتمع حتى وصلت لنقطة ثورية وهي شراء القمامة من الدول الأخرى لتوليد الكهرباء عندها.

ما يجعل هذه الدول ناجحة في هدفها لتقليل النفايات وإعادة التدوير ليس فقط  البنية التحتية والغرامات أو حتى الطمع الشخصي لأفراد المجتمع الذين يريدون مقابلا لجهدهم ونفاياتهم.  النقطة الأهم في هذا كله أن النظام مفهوم وواضح للجميع. وتوجد طرق تيسر تطبيقه على الجميع. وأسبابه كذلك واضحة للكل بسبب وعي المجتمع المرتفع بنتائج تقليل استخدام البلاستيك والورق وإعادة تدويرهم.

تجارب عديدة تثبت لنا مرة بعد مرة أن شرح الأسباب وربطها بالفعل والنتيجة  بشكل عملي وواضح تجعل نسبة من يطبق التعليمات أعلى. مما يجعل مهمة الفنان والكاتب والمعلم أهم وأكبر لنشر هذا الوعي ورفعه في مجتمعنا. الحملات التوعوية لا تكفي لوحدها. الفنون تؤثر في النفس البشرية بشكل قوي بأشكالها المختلفة. والتعليم من الصغر يجعل بعض التصرفات التي تبدو صعبة، بديهية جدا للجيل الجديد.

من أين أبدأ هي أول فكرة تخطر على بال أي شخص يقرأ مثل هذا المقال أو يشاهد فيلما وثائقيا عن نفس المشكلة والإجابة الوحيدة والتي تبدو أبسط مما يجب هي : بما تستطيع
هل أنتِ ربة منزل ؟ ابدئي بعدم استخدام الصحون البلاستيكية مثلا وابتعدي عن العبوات التي لا يمكن اعادة تدويرها وارفعي وعي أبنائك عن هذا الموضوع. ولو استطعتِ دفعهم لفرز النفايات في المنزل قبل رميها سيكون عملك عظيما .

هل تعمل في مجال التعليم ؟ اطلب جمع النفايات الورقية وبيعها او التبرع بها لمصنع يعيد تدويرها، وارفع وعي زملائك وطلابك.
تخصصت في التجارة ؟ يمكنك تقليل استخدام الورق في التعاملات.  وتشجيع موظفيك على استخدام أكوابهم الخاصة بدلا من الورقية وتوزيع الحاويات الخاصة بإعادة التدوير. وابحث أكثر في فرصة إعادة التدوير سواء بالإستثمار أو تقليل التكلفة عليك في مجالك.
صاحب مقهى ؟ اعرض خصما خاصا لمن يستخدم كوبه الخاص بدلا من الكوب الورقي في طريقه لعمله. وبدلا من بيع قوارير المياه يمكن توفر برّادة مياه خاصة ليستطيع تعبئة قارورته الخاصة بسعر أقل من سعر قارورة المياه العادية.

وجميعنا نشترك في مهمة محاولة مراجعة النفس أثناء التسوق والابتعاد قدر الإمكان عن شراء ما لا يمكن إعادة تدويره، وكذلك بالعمل أكثر على معرفة طرق إعادة التدوير في مدينتنا وفرز نفاياتنا. فإن كنت أنت لا تعرف طريق إعادة التدوير تأكد أن عامل النظافة يعرف. فلابد أن مسألة إعادة التدوير موجودة في نطاق عملهم. وهم يستطيعون بيع هذه المنتجات للمصانع الخاصة.  وسيقدر لك اختصار عمله، وتقليل المخاطر عليه. كما ستشارك في توفير مصدر رزق اضافي له.

ولا ننسى تشجيع الشركات والمتاجر التي تساعدنا في مهمتنا. الحرص على تفضيل منتجات هذه الشركات والمتاجر يساعدهم على الاستمرار وتحقيق الهدف. وسيشجع الشركات الأخرى لسلك دربهم.

الشركات ستلحق نقودك أينما كانت. ضعها في مكان يحافظ على الكوكب ويقلل استخدام البلاستيك وسوف تنتقل الشركات الكبرى لهذه الطرق من أجلك. لا نحتاج لإعادة اختراع العجلة، نريد فقط ركنها فترات أطول لتقليل استهلاكها. لا نريد التخلص من البلاستيك تماما. نريد فقط تقليل استهلاكه وإيجاد منطقة وسط بين رغبتنا باستخدامه والمحافظة على الأرض وعلى صحتنا وصحة أولادنا وأحفادنا.

ربما تشعر كمستهلك  أن فعلاً صغيرا مثل اختيار حاوية البلاستيك بدلا من الحاوية العامة أو أخذ كوبك معك للمقهى ليس له أثر وأهمية. لكن إن كان فعلك هذا يساهم بنسبة 0.01%. فهو أفضل من المساهمة بالأمر السلبي. وتذكر أنك لست لوحدك. وكثير مننا يحملون نفس الهم ويريدون أن تصبح الحلول أكثر توفرا. وأن هذه المساهمة تتضاعف أضعافا كثيرة لو زاد عدد من يختارون عمل هذه الأفعال الصغيرة. أصِب غيرك بعدوى التفكير بالبيئة. واختيار عمل هذه الأعمال الصغيرة. أهدِ صديقك كوبا حافظا للحرارة وسوف يستخدمه من أجلك في البداية ثم لأنه تعود على هذا الأمر.  
ارفع وعي أطفالك وسوف يساهمون معك في الحفاظ على الأرض. وحاول التواصل مع مصانع إعادة التدوير وتنظيم طريقة ليأخذوا نفاياتك وإعادة تدويرها. ونبّه أقربائك  بالمكسب المادي الذي يمكن أن يكون من نصيبهم فقط لأنهم فرزوا نفاياتهم وأعطوها للمصنع.

والأهم احتساب الأجر في كل ما سبق. فشكر النعمة وإعمار الارض من واجباتك كإنسان يعيش عليها.
مشروع إيلون مسك لإعمار المريخ لازال في بداياته. ولا نريد أن يذكر أحفادنا لأحفادهم قصصا أسطورية عن جمال النقطة الزرقاء الباهتة التي كانوا يعيشون عليها.